الصحوة – مزنة بنت مسعود الصبحية
دائمًا ما نسمع الكثير من العبارات المحبِّطة ,والإيحاءات السلبية , والمقارنات التي تنزل على شبابِنا كالصاعقة , مقارناتٌ ترسم تلك الصورة التي توضِّح بأنَّ العرب القدامى أفضل من العرب في وقتنا الحالي , وأنَّ شبابَ الغرب أحسن بكثير من الشباب العرب في مجال الإبداع والابتكار. أنا أؤمن بأنَّ _أحيانًا_ تلك المفاضلات تجعل المرء أكثر شجاعةً , وأكثر قوةً ؛ وبالتالي يستطيع أن يحقِّق ذاتَه ؛ مما يجعله مستعدًا لتحمُّل المصاعب وعقبات الحياة , وتحقيق العديد من الإنجازات , ولكن السؤال للذين يلقون اللَّوْم على شبابنا: هل أعطيتموهم الوقت الكافي للابتكار؟ هل خفَّفتم عنهم تلك الأعمال الشاقة التي تحتاج وقتًا طويلًا لإنجازها؟ هل شجَّعتموهم ,وأخذتم بأيديهم؟
إنَّ الإبداع ليس وليد الصدف ,وإنما يحتاج إلى بيئة ومكان مناسبين لولادته ,ووقتٍ كافٍ ,وتفريغٍ من العمل لفترة زمنية محددة ؛ وهذا ما ينقصنا _للأسف_ في مجتمعنا الخليجي عامةً ,والعماني خاصةً. الإبداع _من وجهة نظري_ هو أن يخترع الشخص شيئًا لم يكن موجودًا من قبل ,أو أنَّه يطوِّره بطريقة لم يعرفْها أحدٌ قبل ذلك بشرط أن يكون ذلك الاختراع يدرُّ بالمنفعة على كل مَن يستعمله.
وبما أنني تحدثت عن هذا الأمر ,يمكنني ذكر ذلك الموقف الذي حدث في الفصل الأول من السنة الدراسية الجامعية الثانية حينما كنَّا ندرس عن ابتكارات العلماء العرب في الزمن القديم ,وعن إسهاماتهم في مجال الرياضيات ,والكيمياء ,والفيزياء ,وغيرها من العلوم المختلفة ,بعد الانتهاء من الدرس أخذ المحاضر يمدح تلك الإسهامات _في الحقيقة هي إنجازات عظيمة ,ويحق لنا أن نثني عليها ,ونفخر بها_ ,ولكن كان لا داعي في أن يذمَّنا ,ويحطَّ من شأننا ,ويجب عليه أولًا أن يبحثَ عن الأسباب التي جعلت من إبداع الطالب الجامعي يقل شيئًا فشيئًا _لا أعني الكل بل البعض_ ؛وذلك لكثرة التكاليف كالاختبارات ,والأبحاث ,والأنشطة ,والواجبات. ولا شكَّ في أنَّ العرب القدامى كانوا يضعون كلَّ اهتماماتهم في تخصص واحد ,أو تخصصين ,وشبابنا _اليوم_ تقع على عواتقهم الكثير من التكاليف التي تمنعهم من تقديم كل ما بوسعهم من إبداع.
إنَّ الإبداع اليوم يُقاس بصدقِ المبدع _لا سيما_ في زمنٍ كَثُرَ فيه الغشُّ ,وانعدمت فيه المصداقية ؛فأصبح كلُّ شخصٍ يريد أن ينسبَ أيَّ عملٍ كان إلى نفسه ؛ حتى وإن كان على حساب فشل الآخرين ؛ أنا لا أعني من كلامي هذا أن أذمَّ مجتمعنا ,ولكنني أودُّ أن أظهرَ حقيقة تلك الوجوه التي تختبئ خلفَ الأقنعة ,التي تخدع جميع الجماهير كلاعب خفةٍ يخدع الأبصار ؛ فيجعل الجميع يصفقون له من دون سبب ,وكلُّ ذلك فقط لأنَّه خدعهم بشيء ليس له وجود أساسًا ! أنا لا أتعجَّبُ من ذلك ما دمنا نعيش وسطَ مجتمعٍ ينقاد أفراده وراء مَن يسَيِّر أموره بالغش ,والرياء ,والنفاق ,ولا أنكر بأنِّي بادرتُ وحاولتُ مرارًا وتكرارًا في أن أصلحَ هذه القضية لدى أقراني ,ولكن دون جدوى ,ولكنَّني ما زلتُ مصرَّةً على مبدئي رغم تيقني بأنَّ العالم لن يتغيرَ ,وسيظلُّ على حاله هذا ؛ كلُّ واحدٍ منَّا يقلِّدُ الآخر ,ويعيد ابتكاراتٍ تشبَّعَ العالمُ بها ؛ فنصبحُ كالدُّمى متكرِّرين تختلفُ حِيَلُنا.
نحن اليوم بحاجة إبداعات شبابية عربية تحوِّلُ الجهل _جهل العقول التي تكادُ لا تعرف الخطأ من الصواب في تصرفاتها_ الذي نحن نعيشه إلى نورٍ ومعرفة ,ونحن كذلك متعطِّشون إلى وجود أشخاص صادقين ضمائرهم حية.





























