الصحوة – شهد بنت يحيى الشّعيليّة
إنّ لِلكَلمة سُلطان لا يُنكر، وللحِجاج قوّةً لا يغفلُها أولو الأَلباب، منه انبثق فنّ المُناظرات بوصفهِ حلقةً ثقافيّة تبرز فيها اللّغة كمرآةٍ عاكسة لرُقيّ الفكر، فيه تغدو الحُجّة هي السّلاح، واللّغة هي وسيلة الحوار الرّاقية، وكما قيل:” أنّ الإنسان ابنٌ لِسعيه”، من هُنا سخّرت الطالبة عَذاري بنت عبد الله الإسماعيليّة طالبة في الجامعة التّقنيّة والعلوم التّطبيقيّة بعبري، موهبتها في المُناظرة ليلمع اسمها في فضاء العلم والمعرفة، فكانت بالحُجّةِ تقنع، وعقلٌ بالحِكمةِ يسطع..
إنّ للإنجاز قصصُ بدايات لا يُمكن نسيانها، لما لها من عميق الأثر، ولذلك إذا ما عدنا إلى البدايات الأولى.. ما الموقف الّذي أوقد شرارة الانّطلاق بداخلك؟
أعتقد أنّ البدايات الحقيقية تأتي أحيانًا على هيئة فرصةٍ صغيرة تُغيّر مسار الإنسان بالكامل، وبالنسبة لي كانت البداية عندما كنتُ في الصف التاسع، إذ جاءتني إحدى المعلّمات في مدرستي واقترحت عليّ المشاركة في مسابقة المناظرات. في ذلك الوقت، لم أكن أعرف حتى معنى الكلمة، ولم أكن أملك ما يؤهّلني لخوض التّجربة، كما أنّ خبرتي وثقافتي كانتا لا تزالان في بداياتهما.
لكنّني آثرت المُشاركة؛ بدافع التعلّم وخوض تجارب جديدة تُنمّي شخصيتي وتطوّر مهاراتي. كنت أؤمن أنّ الإنسان لا يكتشف قدراته الحقيقية ما لم يجرّب، وما لم يضع نفسه في مواقف تدفعه للنمو والتغيّر.
كيف أسهم مُحيطك في تعزيز توجّهك؟
كان لمحيطي وعائلتي دورٌ كبير وأساسي في تعزيز توجّهي ودعم شغفي، إذ كنت محاطة بأشخاص يؤمنون بأهميةِ المعرفة وتطوير الذّات، وهذا ما انعكس عليّ بصورةٍ واضحة، فأخي حاصل على شهاداتٍ في تدريب المُتحدّثين، فكنت أراه نموذجًا ملهمًا، وكان لدي شغف حقيقي بأن أسير على خُطاه، وأن أستفيد من عِلمه وخبراته في هذا المجال، أما أختي، فكانت من المُهتمّين بالقراءة، فكثيرًا ما كنت اقتدي بها. وإنّي أؤمن أنّ وجود بيئة داعمة ومُلهمة هي بمثابة الوقود الّذي يُعزّز المسار.
كيف تشكّلت علاقتك مع الكلمة والحوار؟
تشكّلت علاقتي بالكلمة والحوار منذ بداياتي الأولى مع القراءة، فقد كنت حريصة على قراءة كتبٍ متنوعة في مجالات مختلفة، ومع كل فكرةٍ جديدة أتعلمها كنت أشعر بحاجةٍ إلى مناقشتها وشرحها للآخرين؛ لأنّ الحوار بالنسبة لي كان الوسيلة الأجمل لترسيخ المعلومة وفهمها بصورةٍ أعمق.
ومع الوقت، بدأت أدرك أنّ لدي شغفًا حقيقيًا بالكلمة، وبأنني أحتاج إلى خوض مجالاتٍ أستطيع من خلالها التعبير عن أفكاري بوضوح، وإيصال ما أحمله من قناعاتٍ ورؤى إلى العالم من حولي. كما أدركت أنّ قوة الإنسان لا تكمن فقط في امتلاكه للفكرة، بل في قدرته على صياغتها والتعبير عنها بأسلوبٍ مؤثر وواعٍ.
لذلك أصبحت أسعى إلى تطوير لغتي وبناء مصطلحاتٍ قوية وأسلوبٍ رصين يمكّنني من الحوار مع مختلف الفئات، وخاصة المثقفين وأصحاب الفكر، بطريقةٍ تعكس وعيي وثقتي بما أقدّمه.
كيف تصفين انتقالك من مُجرّد الاهتمام بالحِوار إلى حبّ خوض غمار المُنافسات واعتلاء المنصّات؟
في بداياتي، لم يكنْ هدفي الأساسي تحقيق المراكز بقدر ما كان تركيزي منصبًا في بناء شخصيّة قويّة وواثقة، قادرة على الاعتماد على نفسها في مواجهة التّحديات، والتمست في المناظرات السّاحة المثاليّة لصقل الشّخصيّة قبل أن تكون ساحة للمنافسة، ومع الوقت، أدركت حجم التّحوّل الإيجابيّ الّذي صنعته هذه التّجربة، فانتقلت بعدها أهدافي إلى السّعي نحو التّميّز وتحقيق الإنجازات، وها أنا اليوم -والحمدُ لله- قادرة على الوقوف بثقة، رحلتي رسّخت في داخلي قناعة (من يبني نفسه بصدق، تأتيه الإنجازات تِباعًا، والثّقة بالنّفس هي من أعظم المكاسب).
إنّ للمناظرات قيمةٌ رفيعة، إذ يمكن اعتبارها بحرٌ في أحشائه الدّرُ كامن، إذا ما اجتمعت الحُجّة والبيان مع رجاحة العقل ورصانةِ البرهان، برأيك ما القيمة الثقافيّة والإنسانيّة لهذا الفنّ؟
أرى أنّ المناظرات ليست مجرد منافسة في الحديث، بل هي فنّ يُسهم في بناء الإنسان فكريًا وإنسانيًا، فهي تُعلّمنا كيف نفكّر بعمق، ونحلّل القضايا بعقلانية، ونُعبّر عن آرائنا بأسلوبٍ قائم على الحُجّة والوعي لا على الانفعال، كما أنّها تُنمّي الثقافة؛ لأنّها تدفع الإنسان للبحث والقراءة المستمرة، وتُرسّخ في الوقت ذاته قيمة احترام الاختلاف وتقبّل الآراء المتنوعة بروحٍ حضارية؛ لذلك أؤمن أنّ المناظرات لا تصنع متحدثًا بارعًا فحسب، بل تصنع إنسانًا أكثر وعيًا واتزانًا وقدرةً على التأثير الإيجابي في مجتمعه.
في الحقيقة، تجربتك الأخيرة في الفوز بالمركز الثّانيّ في البطولة الوطنيّة التّاسعة للمناظرات، أيقظت شرارة الإلهام لأجري معكِ هذا الحديث، وإنّي لأطمح أنْ تُحدّثينا عنها.
كانت البطولة الوطنية للمناظرات بالنسبة لي حلمًا بَدا في البداية صعب المنال، لكن بفضل الله أولًا، ثم بفضل جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بعبري التي منحتني هذه الفرصة، استطعت أن أخوض هذه التّجربة المميزة بكلّ تفاصيلها.
خلال البطولة واجهنا فرقًا قوية جدًا، وكانت المنافسة مليئة بالتحدي والتعلّم، لكننا استطعنا التأهل من المحطة الأولى التي أُقيمت في كلية البريمي الجامعية، ثم واصلنا رحلتنا بعد فترة طويلة من التدريبات المكثفة والمتعبة استعدادًا للمرحلة النهائية.
وفي النهائي الذي أُقيم في كلية الدراسات المصرفية والمالية بمسقط، عشنا لحظات مليئة بالحماس والضغط والفخر في الوقت ذاته، وبفضل الله تُوّجنا بالمركز الثاني على مستوى سلطنة عُمان، وكان هذا الإنجاز من أكثر اللحظات التي شعرت فيها بأنّ التعب والإصرار قادران على صناعة الفرق وتحقيق الأحلام.
لكلّ إنجاز جانب خفيّ من التّحديات، وباعتبار تجربتك في المُناظرات تجربة مُلهِمة، ما أبرز العقبات الّتي واجهتك خلال هذه الرّحلة؟ وكيف انعكست هذه التّجربة في الرّسالة الّتي توجهينها لكلّ من يتردّد في خوض تجارب جديدة؟
خلال هذه الرّحلة واجهتْ تحدّيات عديدة، كان أبرزها تحقيق التّوازن بين الدّراسة والحياة الشّخصيّة ومتطلبات التّدريب المُكثّف، إلى جانب الضّغوط الّتي صاحبت البحث والتّحضير المُستمرّ. لكنني أدركتْ أنّ النّجاح لا يتحقق إلّا بالانضباط، والصبر، والقدرة على ترتيب الأولويّات، ومن هذه التّجربة تعلمتْ أنّ الخوف هو الحاجز الأوّل أمام اكتشاف الإنسان لإمكاناته الحقيقيّة؛ لذلك أؤمن بإنّ خوض التجارِب مهما بدا مُخيفًا هو الطّريق لصقل الذّات، وخُطوة شَجاعة واحدة قد تكون بداية التّحوّل في مُستقبل الإنسان.
بعد هذا الإنجاز الباهر، ما طموحك الّتي تسعين إلى تحقيقها في المرحلة المُقبلة؟
علّمتني المناظرات أنّ الإنسان لا ينبغي له أن يقف عند نقطةٍ معيّنة ويكتفي بما حقّقه، بل عليه أن يواصل التعلّم والبحث والتعمّق في مجالاتٍ جديدة باستمرار؛ لأنّ الطموح الحقيقي لا حدود له. وعلى المستوى الشخصي، أطمح لأن أكون مناظِرة ومتحدّثة وخطيبة على مستوى عالمي، لأنني أشعر بأنّ لدي قدرة حقيقية على الإقناع والتأثير وإيصال الأفكار بطريقةٍ تلامس العقول وتترك أثرًا في الآخرين، ولذلك أسعى دائمًا إلى تطوير نفسي فكريًا ولغويًا ومهاريًا؛ حتى أتمكّن من الوصول إلى مستوى أكبر من التأثير والتميّز في المستقبل.
وأخيرًا، لو أردتِ تلخيص رحلتك للمُتلقي فماذا تقولي؟
رحلتي باختصار كانت انتقالًا من فتاةٍ مترددة تخشى الظهور، إلى شخصية تؤمن بصوتها وقدرتها على التأثير. تعلّمت من المناظرات أنّ الكلمة الواعية قادرة على صناعة الفرق، وأنّ الإنسان لا يعرف قوّته الحقيقية إلا حين يجرؤ على المحاولة.

























