الصحوة – علي بن محمد الحامدي/ رئيس مجلس إدارة شركة أزر للهندسة والاستثمار القابضة
سبق وان تم نشر هذا المقال عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لكن نظرا لأهميته آثرت إعادة نشره مرة أخرى في صحيفة الصحوة من اجل الاثراء المعرفي والمساهمة في خلق ثقافة مجتمعية واعية.
لقد قرأت بنهم مقال مثري وغني جدا بمادته العلمية للشركة العربية للاعلام العلمي (شعاع) ومقرها القاهرة بجمهورية مصر العربيه. المقال من تاليف ديفيد اسبرون وبيتر بلاستريك . يتحدث المقال حول الاستراتيجيات الخمس لإعادة اختراع الحكومه (القطاع العام). تتلخص هذه الاستراتيجيات الخمس (5Cs) في: التركيز (Concentration) والتبعات (Consequences) والتحكم (Control) والعميل(Customer) والثقافه (Culture).
في مقالي هذا أحببت ان أسلط الضوء على هذه الاستراتيجيات الخمس واضع لها تكييفا مناسبا لواقع القطاع العام بالسلطنة. وبما يتناسب مع تحقيق الأهداف الاستراتيجية لرؤية عمان 2040.
ولنبدأ بالاستراتيجية الأولى وهي استراتيجية التركيز (Concentration) وتعني تحديد الهدف الأساس من وجود كل مؤسسة من مؤسسات القطاع العام بدقة. ومن ثم تركيز كافة جهود العاملين فيها من أجل تحقيق ذلك الهدف الاساس لوجود تلك المؤسسة. ان الدور الحقيقي الذي يفترض ان تقوم به كافة مؤسسات القطاع العام تتمثل في التوجيه والقيادة ووضع السياسات العامة الخادمة للهدف الاساس. ومن أجل أن تتفرغ كل مؤسسة من مؤسسات القطاع العام للقيام بدورها الأساس في التوجيه والقيادة ووضع السياسات العامة الخادمة للهدف الاساس لابد من ان تقوم بثلاث سياسات متواليه وهي:
أولا: سياسة التخلص من الوظائف التي تؤديها تلك المؤسسة ويمكن للقطاع الخاص ان يقوم بها من خلال تطبيق نظام الخصخصة والذي قطعت فيه بعض مؤسسات القطاع العام شوطا كبيرا ومشهودا. على ان يكون هذا التطبيق وفق نظام مدروس ومؤسسي ومتدرج ويشمل كافة القطاعات التي تقدم فيها الخدمات بشكل مباشر للجمهور.
ثانيا: سياسة الفصل بين التوجيه ويقصد به التخطيط ، وبين التنفيذ ويقصد به الفصل بين الإدارة الموجِّهة (بكسر الجيم) والتي تقوم بوضع السياسات وبين الإدارة التنفيذيه التي تقوم بتنفيذ تلك السياسات وتقديم الخدمات للجمهور. والغرض من ذلك الفصل هو التقييم والمتابعه والتوجيه ومعالجة أوجه القصور بلوغا لتحقيق الرؤية الكلية للقطاع العام وهذا ما يحققه تطبيق نظام الخصخصة وان لم تتمكن المؤسسة من خصخصة خدماتها لسبب او لآخر فلابد اذن من الفصل بين الإدارة الموجهة والإدارة التنفيذية.
ثالثا: سياسة وضوح الاتجاه لمؤسسات القطاع العام كمنظومة متكاملة وليس لكل مؤسسة على حده. ويتم ذلك من خلال صياغة نظام يعمل فيه كبار المسؤولين بالقطاع العام على صياغة واعتماد السياسات العامة لكل المؤسسات التابعة للقطاع العام. بينما ينشغل المديرون بمختلف مستوياتهم الوظيفية على تنفيذ تلك السياسات ومتابعة الاعمال اليومية في تقديم الخدمات. مع الإبقاء على الصلة القائمة بين صانعي السياسات ومنفذيها من اجل ضمان تحقيق الأهداف الفرعية وصولا الى الهدف الأساس.
الاستراتيجية الثانية هي استراتيجية التبعات (Consequences) وتتم من خلال تطوير نظام محفز للأداء ومطور للإنتاجية. إن القاء اللوم على موظف القطاع العام في تحمل مسؤولية ترهل الأداء وضعف الإنتاجية في مختلف مؤسسات القطاع العام ليس منصفا في ظل وجود نظام إداري خامل. لا يقيّم أداء ولا يقدّم حافزا سلبيا او إيجابيا. بل يعتمد على الترقيات حسب الاقدمية والعلاوات السنوية التي يحظى بها الجميع بلا استثناء. فيتساوى النشط والكسول والعامل والخامل والمبتكر والسلبي. ان النظام القائم على مؤشرات قياس الاداء ، يكفل للمجتهد تحفيزه الإيجابي في الترقي والمكافأة والتقدير ويكفل للمقصر تحفيزه السلبي في تحميله تبعات ذلك القصور الذي قد يوصله الى خطر فقد وظيفته او خصم راتبه او حرمانه من الترقيات والمكافآت. وبالتالي فإن معادلة الاداء بطبيعتها ستتغير. ولكي يكون هذا النظام محفزا للأداء لابد من تطبيق سياستين رئيستين:
أولاهما: الإدارة بأسلوب القطاع الخاص للمؤسسات والشركات الحكومية التي تقدم خدمات بمقابل مادي او تبيع سلعا ومنتجات للجمهور. ان إجبار تلك المؤسسات او الشركات على خوض تجربة السوق المنافس ومنع الاحتكار الحكومي لتلك الخدمات او المنتجات هو الكفيل بتجريدها من اعتمادها على سلطة الحكومه في بيع تلك المنتجات او الخدمات. وهو الذي سيدفعها حتما الى التغيير والمنافسة وتطوير الأداء. في احدى التجارب الدولية المشهورة في ولاية مينيسوتا بالولايات المتحدة الامريكية عام 1989م، تم اعتماد سياسة التعليم التنافسي من خلال منح أولياء أمور الطلبة حرية نقل أبنائهم للمدارس التي يفضلونها. وعند نقل الطالب من مدرسته يتم خصم مخصصات تلك المدرسة وتسليمها للمدرسة التي ينتقل اليها. وبالتالي تصبح المدارس التي تستطيع ان تجتذب اليها اكبر عدد ممن الطلاب ذات إيرادات مرتفعه. وبالتالي تتمكن من رفد ميزانيتها السنوية بما يمكنها من صرف أجور المعلمين وتحسين البيئة التعليمية بالمدرسه. هذه التجربة حفزت المدارس على تحسين أدائها واستقطاب الاكفاء من المعلمين وتحسين علاقتها بأولياء أمور الطلبة حتى تقنعهم بنقل أولادهم اليها وبالتالي تتضاعف إيراداتها المالية.
ثانيهما: المنافسة الموجَّهة لمؤسسات القطاع العام والتي تقدم خدماتها بالمجان كالبيئة والامن العام ودور العباده والدفاع المدني وغيرها. وذلك من خلال خلق نوع من المنافسه النفسية والسلوكية لتحفيز الأداء. ويتم ذلك من خلال مقارنة الأداء مع مثيلاتها من المؤسسات الأخرى التي تقوم بنفس الدور. على سبيل المثال: إدارة البيئة في محافظة مسقط تقارن بمثيلاتها في المحافظات الأخرى. وتوضع معايير للتقييم. ويتم تقييم أدائها من خلال تلك المعايير ومحاسبتها في التقصير ومكافأتها في الإنجاز والابداع.
الاستراتيجية الثالثة: وهي استراتيجية التحكم (Control) وتعني ارخاء قبضة الحكومة المركزية لكافة السلطات التي بحوزتها بحيث تمكن الإدارات المنتشرة في المحافظات من منحها جزء من الاستقلالية في اتخاذ قرارتها بما يخدم الصالح العام ويحقق الميزة التنافسية. فعلى سبيل المثال: تم في استراليا عام 1988 منح المنظمات الحكومية في تحديد أوجه صرف ميزانياتها السنوية دون تدخل من الحكومية المركزية وبما لا يتجاوز ميزانيتها المخصصة. ان التوجه الحكومي في سلطنتنا الحببيه في منح المحافظات مخصصات ماليه سنوية ومنحها الحق في إدارة شؤونها وتطوير خدماتها لهو توجه رائع في تبني هذه الاستراتيجية. ولكي تؤتي هذه الاستراتيجية أكلها في حال تطبيقها لابد من اتباع ثلاث سياسات رئيسة وهي:
- سياسة تمكين المنظمة من خلال منحها قدرا كبيرا من الاستقلالية في اتخاذ القرارات المناسبة دون الرجوع في ذلك الى الإدارة المركزية.
- سياسة تمكين الموظفين من التعامل مع المشكلات واتخاذ القرارات المناسبة حيالها والاستجابة المباشرة للعملاء دون الرجوع الى رؤسائهم. أي منحهم صلاحية التنفيذ بدون تدخل من الرؤساء المباشرين. فعلى سبيل المثال اصدار الترخيص البلدي واعتماده ينبغي ان تمنح تلك الصلاحية للموظف المباشر للخدمه بحيث يقوم بنفسه بمنح الترخيص متى ما كان مستوفيا لكافة الشروط دون الحاجة الى اعتماد من الرئيس المباشر والرئيس الأعلى.
- سياسة تمكين المجتمع من تقييم أداء المنظمة التي تقوم على خدمتهم من خلال مؤسسات المجتمع المدني المختلفة. ففي بعض التجارب الدولية تم منح مجالس أولياء الأمور في الولايات حق الاشراف والتقييم للمدارس وتعيين مديريها ومتابعة أدائها.
الاستراتيجية الرابعة: وهي استراتيجية العميل (Customer). وتهدف هذه الاستراتيجية الى اشراك العميل في عمليات تقييم أداء المؤسسات العام الخدمية من اجل تحفيزها لتحسين الأداء وزيادة الفاعلية في خدمة العملاء. ويتم ذلك من خلال اتباع السياسات التالية:
- سياسة التنافس على العملاء من خلال ترك الخيار للعميل في اختيار المؤسسة الحكومية التي يشعر انها تخدمه بشكل افضل.. ويتم تقييم المؤسسة من خلال قدرتها على اجتذاب اكبر عدد من العملاء كما اوضحنا ذلك في مثال المدارس الحكوميه في ولاية مينيسوتا بالولايات المتحدة الامريكيه. ومثال آخر اكثر توضيحا. يترك الخيار للعميل في اختيار البلدية التي تناسبه ويستفيد من خدماتها حتى ولو لم تكن في نفس الولاية التي فيها محل اقامته. ويتم تقييم البلدية من خلال عدد العملاء الذين يتعاملون معها. وكلما زاد عدد العملاء كلما حصلت البلدية على تسهيلات ماليه كبيرة من الحكومه وحازت على الرضا المجتمعي.
- سياسة توكيد العميل للجوده. وذلك من خلال تضمنين معايير تقييم جودة الخدمه التي تقدمها المؤسسة بمدى رضا العميل عن الخدمات المقدمه. فكلما زاد معدل رضا العملاء عن المؤسسة كلما حصلت تلك المؤسسة على امتيازات كبيرة وتسهيلات متعددة من الحكومه.
الاستراتيجية الخامسة: وهي استراتيجية الثقافه (Culture) وفيها يتم التخلص من الأفكار والسلوكيات الباليه. وزرع قيم مؤسسيه ونماذج سلوكيه ومفاهيم ثابته تحكم المنظمات وتوجه سلوك موظفي القطاع العام بما يخدم تحقيق الرؤية الكلية للحكومه. ويتم ذلك من خلال اتباع المنظمة لسلسلة من السياسات في تعاملها مع موظفيها.
فأول تلك السياسات هي تغيير عادات الموظفين وسلوكياتهم في تعاملهم مع العملاء وذلك من خلال غرس ثقافة النظر الى المؤسسة التي يعملون فيها من منظار العميل لا المؤسسة ذاتها. فيكون العميل هو الحكم على أداء الموظفين وان تقييمه للأداء يدخل في صميم التقييم السنوي لأداء الموظف.
وثاني تلك السياسات هي بناء ثقافة الابداع والابتكار في أداء الاعمال وتقديم الخدمات وتقبل التطور المستمر ومواكبة المتغيرات والتدوير الوظيفي الهادف الى تنويع الخبرات وصقلها. وهذا هو الفيصل الحقيقي لبقاء الموظف في وظيفته وليس الثقافة السابقة التي كرست لدى الكثيرين بأن الوظيفة الحكومية حق مكتسب للمواطن وانه لا أحد يستطيع اقالته من وظيفته وان قصر او اخل في أدائها.





























