الصحوة – ظافر بن عبدالله الحارثي
إن علاقة الانسان بالقوانين هي علاقة ضرورية مبنية على أساس رابط المصير، إذ أن لا يمكن لأي منهما أن يستغنين عن الآخر، فالبنسبة للقانون تبعث الحياة في نصوصها عندما يوجد الإنسان، أما بالنسبة للإنسان فيضمن النظام في حياته عند وجود القانون، ولهذه العلاقة غاية سامية تتمثل في إرساء العدل والسلام وضمان الامن والاستقرار؛ وتتولى النصوص القانونية مهمة تطبيق تلك الغاية من خلال إنشاء مجموعة من القواعد التي تهدف لتقويم وتنظيم سلوكياتنا، بحيث تحرص على أن نتمتع بالحقوق والحريات من ناحية، وتحملنا مسؤولية أداء الواجبات واحترام الاخرين من ناحية أخرى، حتى تراعي التوازن والتكافؤ والمساواة بين الجميع.
يقصد بمبدأ روح القانون المعاني داخل النصوص القانونية والمقاصد التي وجدت من أجلها، ويعني كذلك إنزال العدالة بقسط يتناسب مع قسطاس الفعل والفاعل، عن طريق صلاحية إنسانية نعرفها اليوم بإسم “سلطة تقديرية”، فالروح هنا يمثل ضمير النصوص وبصيرة الحُكم؛ وإن أهمية تضمين هذا المبدأ عند تطبيق القانون يرجع إلى عدد من الأهداف لعل أبرزها: (تحبيب الناس بواجباتهم، وإتاحة فرصة تقويم السلوك بعد الاعوجاج، وصلاح الطبائع وتفعيل الأخلاق، وإعادة بث الفضيلة في صراط الأفراد).
تعد من قبيل تطبيقات روح القانون تلك الأحكام المنظمة لمسألة الحفاظ على المراكز والشخصية القانونية للأفراد، وتلك المسائل التي تأخذ من خلالها الظروف والمدد بعين التقدير والاعتبار حتى تضمن عدم التعسف والإضرار، وإن من مظاهر وآثار هذا الروح تلك النصوص الدالة على افتراض حسن النوايا، وتقديم البراءة على الاتهام، وإعتماد اليقين دون الشك، والتفسير لصالح الإنسان، كل ذلك إن دل على شيء فما يدل إلى على أن القواعد القانونية ليست قواعد تقريرية بل تقويمية، كما أن هذا الاستنتاج يدحض الفكرة التي تصور لنا القانون كأداة لترهيب والإيلام بفكرة أن القانون ما هو إلا يدٌ يقينا من الهلاك.
إن من التساؤلات الشائعة التي قد تثار بخصوص هذا الموضوع هي (ما الذي يستعان ويعتمد عليه عند تقرير الحكم، النص أم روح النص؟)، إلا أن الإجابة عليها بسيطة وتتمثل في أنه اذا خلى الحكم من النص فلا يكون حينها مستند على أساس صحيح وتسبيب قوي بحيث سيفتقر تطبيق القانون مما يؤدي إلى اختلال الحُكم وبالتالي بطلانه، وفي المقابل إذا خلى الحكم من تضمين روح القانون لعل يتسبب ذلك إلى عدم عدالة الحكم مما يؤدي إلى اختلال الحكم أيضًا، إذاً حتى نكون بصدد حكم عادل وصحيح يجب تحويط وإدراك الاثنين، القانون وروح القانون.
إن الفطرة الإنسانية تلد سوية في البداية، أما مسألة استمرارها فهي راجعة لصاحب الفطرة فهو من يقرر ويختار، وبالرغم أحيانًا من قوة المعلومات وكفائة الطرح والأدوات إلا أن مسألة الاقتناع والتطبيق لا تتأتى دون أن يصل كل ذلك إلى مستوى الفهم والإدراك، مما يعضد من دورنا جميعًا أفرادًا ومؤسسات وبالتحديد (أصحاب التخصص) من نشر صحيح القانون وتعزيز جوهره، والذي لاشك من أنه سيحافظ بكل تأكيد ليس فقط على خلق جيل واع بل سوف نطمن من خلاله تسليم مشاعل رسالة القانون الصحيحة للأجيال متعاقبة.





























