الصحوة – عبدالفتاح الصناعي
عندما يُنظر إلى العلاقات بين سلطنة عُمان ودولة الإمارات العربية المتحدة، فإننا أمام مسيرة طويلة من الثقة والتعاون، لم تتشكل في لحظة عابرة، بل نمت عبر عقود من التواصل، ورسختها روابط الجوار، وعززتها الإرادة المشتركة لبناء شراكة تخدم مصالح البلدين والشعبين الشقيقين.
وفي ظل ما تشهده العلاقات بين مسقط وأبوظبي من تطور مستمر، واتساع مجالات التعاون والشراكة، تتجدد أهمية قراءة الأسس التي جعلت هذه العلاقة قائمة على الثقة والتفاهم، وقادرة على مواكبة المتغيرات الإقليمية والدولية.
وتتميز هذه العلاقة بأنها قامت على أسس مستقرة من الاحترام المتبادل، والتفاهم، والحرص على تطوير التعاون في مختلف المجالات، مع الحفاظ على خصوصية كل دولة ورؤيتها الوطنية.
فالعلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم الاتفاقيات أو مستوى التبادل الاقتصادي، وإنما بقدرتها على بناء الثقة وتحويل القرب الجغرافي والاجتماعي إلى فرص للتعاون والتنمية، وهو ما يعكس جانبًا مهمًا من مسيرة العلاقات العُمانية–الإماراتية.
ارتبط المجتمعان العُماني والإماراتي عبر تاريخ طويل من التواصل الإنساني والاجتماعي، فقد أسهمت حركة التجارة والتنقل، وروابط المصاهرة، والتقارب في العادات والتقاليد، في بناء جسور من المعرفة المتبادلة والألفة بين أبناء البلدين.
كما لعب الموروث الثقافي، والتواصل المجتمعي، والفعاليات الأدبية والفنية، دورًا في تعزيز التقارب بين الشعبين، ليبقى الجانب الإنساني أحد أهم عناصر قوة العلاقة واستمراريتها.
وهذه الروابط الاجتماعية شكلت قاعدة راسخة للعلاقة الرسمية، لأن العلاقات التي تستند إلى التواصل بين الشعوب تكون أكثر قدرة على التطور والاستمرار.
ومع قيام الدولة الحديثة في البلدين، انتقلت العلاقات العُمانية–الإماراتية من إطارها الاجتماعي إلى مرحلة جديدة من التعاون المؤسسي، مستفيدة من رصيد الثقة المتراكم بين الشعبين.
وقد ساعدت هذه المرحلة على بناء أطر للتعاون في مختلف المجالات، وتعزيز التشاور والتنسيق، وترسيخ مفهوم الشراكة القائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
فلم تعد العلاقة مجرد امتداد لجوار جغرافي، بل أصبحت مسارًا متطورًا للتعاون في مجالات متعددة، يعكس إدراك البلدين لأهمية العمل المشترك في تحقيق التنمية والاستقرار.
وشكّلت مرحلة السلطان الراحل قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه، والمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، محطة مهمة في مسيرة البلدين، حيث أسست كل قيادة لمسار تنموي خاص بها، مع التقاء واضح في عدد من المبادئ التي عززت طبيعة العلاقات الثنائية.
فقد ركزت التجربتان على بناء الإنسان، وتطوير مؤسسات الدولة، والاستثمار في التعليم والتنمية، وترسيخ الاستقرار، باعتبارها ركائز أساسية لبناء الدول الحديثة.
كما اتسمت الرؤيتان بالحكمة والاعتدال، والحرص على بناء علاقات متوازنة مع المحيط الإقليمي والدولي، والإيمان بأهمية التواصل والتفاهم في بناء العلاقات بين الدول.
ورغم اختلاف خصوصية كل تجربة وطنية، فإن الثقة المتبادلة بين البلدين أصبحت رصيدًا تراكم عبر المراحل، وأسهمت في انتقال العلاقات من روابط الجوار إلى شراكة أكثر اتساعًا وعمقًا.
وتستمد العلاقات العُمانية–الإماراتية جانبًا كبيرًا من قوتها من استمرار التواصل الإنساني والثقافي، إذ أسهمت الفعاليات الثقافية، ومعارض الكتب، والأنشطة الأدبية والفنية، والتبادل الأكاديمي، في تعزيز المعرفة المتبادلة بين المجتمعين.
كما حافظت الروابط الاجتماعية على حضورها، لتؤكد أن قوة العلاقة لا تعتمد فقط على التعاون الرسمي، وإنما تستند كذلك إلى قرب الشعوب وتفاعلها المستمر.
وفي الجانب الاقتصادي، شهدت العلاقات بين البلدين تطورًا متواصلًا، شمل قطاعات حيوية مثل الاستثمار، والطاقة، والصناعة، والخدمات اللوجستية، والسياحة، إضافة إلى مجالات التعاون في الموانئ والمناطق الاقتصادية، بما يعزز حركة التجارة والاستثمار بين البلدين.
كما تتقاطع العديد من مستهدفات رؤية عُمان 2040 ورؤية “نحن الإمارات 2031” في مجالات تنويع الاقتصاد، وتشجيع الاستثمار، ودعم الابتكار، وتطوير البنية الأساسية، وتعزيز دور المعرفة والتكنولوجيا في صناعة المستقبل، بما يفتح مجالات أوسع للتعاون والشراكة بين البلدين.
وتعكس هذه الشراكة الاقتصادية إدراكًا مشتركًا بأهمية التعاون والتكامل الاقتصادي بين دول المنطقة، بما يسهم في تعزيز التنمية وخلق فرص جديدة تخدم مصالح البلدين والشعبين الشقيقين.
وتمضي العلاقات العُمانية–الإماراتية اليوم على الأسس الراسخة التي أرساها السلطان الراحل قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه، والمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وهي أسس قامت على الثقة المتبادلة، وحسن الجوار، والحرص على تطوير التعاون بما يخدم مصالح البلدين.
وفي المرحلة الحالية، يواصل حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، تعزيز مسيرة التعاون بين البلدين، كلٌ من خلال رؤيته الوطنية وأدواته الدبلوماسية، مع المحافظة على الثوابت التي شكلت أساس العلاقة.
وتلتقي التجربتان العُمانية والإماراتية في السعي إلى تعزيز العلاقات الدولية، وتوسيع مجالات التعاون، وبناء الشراكات التي تدعم التنمية والاستقرار، بما يعكس رؤية البلدين لأهمية الحوار والتواصل والانفتاح على مختلف دول العالم.
إن تجدد العلاقات لا يعني تغيير ثوابتها، بل تطوير أدواتها بما يتناسب مع متطلبات المرحلة الجديدة، وهو ما يفسر استمرار توسع مجالات التعاون بين البلدين في الاقتصاد والاستثمار والطاقة والتقنية وغيرها من القطاعات.
كما تمثل العلاقات العُمانية–الإماراتية أحد المسارات المهمة في تعزيز العمل الخليجي المشترك، بما تحمله من تجربة قائمة على التعاون والتنسيق وتبادل المصالح.
ومن خلال التعاون ضمن منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، يواصل البلدان الإسهام في دعم مسارات التنمية، وتعزيز فرص التعاون، انطلاقًا من قناعة بأن الشراكات الإقليمية الفاعلة تمثل عنصرًا مهمًا في تحقيق المصالح المشتركة.
إن العلاقات العُمانية–الإماراتية لم تُبنَ على ظرف عابر، وإنما تشكلت عبر مسيرة طويلة من التواصل والثقة والتفاهم، جعلت منها علاقة قادرة على التطور مع الزمن، لأنها تستند إلى رصيد إنساني واجتماعي عميق، وإلى إرادة مشتركة لتعزيز التعاون والشراكة.
واليوم، وفي ظل عالم يشهد تحولات متسارعة، تواصل سلطنة عُمان ودولة الإمارات العربية المتحدة تطوير علاقاتهما انطلاقًا من تاريخ من التواصل، وحاضر من التعاون، ورؤية تتطلع إلى مستقبل أكثر ازدهارًا واستقرارًا، بما يخدم مصالح البلدين والشعبين الشقيقين.
فالثقة التي تراكمت عبر المراحل أصبحت أساسًا لشراكة متجددة، والتواصل بين الشعبين يمثل رصيدًا دائمًا لهذه المسيرة. والعلاقات العُمانية–الإماراتية اليوم ليست مجرد علاقة جوار، بل نموذج لما يمكن أن تكون عليه العلاقات العربية عندما تُبنى على الاحترام والتعاون والرؤية المشتركة للمستقبل.




























