الصحوة – إيمان بنت حمد الشعيلية- باحثة ماجستير بكلية الحقوق، جامعة السلطان قابوس
تتبنى مجمل التشريعات الجزائية القواعد القانونية التي تنظم سلوك الأفراد، ويتولى قانون الجزاء بيان الأفعال المجرمة وبيان مسؤولية الأشخاص عنها وأهليتهم لتحمل المسؤولية الجزائية.
ولا تخلو القوانين الجزائية من بيان الركن المعنوي في الجريمة والمتمثل في العلم والإرادة، كما أنها في الوقت ذاته تعرضت إلى عوارض المسؤولية الجزائية التي تنصب في مجملها على الإنسان وشخصيته وقدراته العقلية واتجاهاته السلوكية.
إن الإنسان الذي يتمتع بقدراته العقلية السوية قادر على أن يحدد الأفعال التي يقوم بها، ومن ثم يكون مدركا للفعل وما يترتب عليه من نتيجة مجرمة قانونًا.
وفي هذا الصدد لا بد من الإشارة أن الاختلالات العقلية ليست المؤثر الوحيد على السلوك الإنساني، وإنما هناك مجموعة من الاضطرابات النفسية التي تؤثر على السلوك وتوجهه، والتي تحتاج إلى تسليط الضوء عليها لبيان موقعها في القانون العماني.
ذلك أن الاضطرابات النفسية تظهر على شكل تبدلات نفسية في الظروف الصحية التي تتحكم بالتفكير والمزاج والسلوك، وتعيق سير العمليات الطبيعية لدى الإنسان، فهي بالضرورة ذات ارتباط واضح بفكرة الإرادة الجرمية والمسؤولية الجزائية.
ويثور التساؤل عن موقف المشرع العماني من الاضطرابات النفسية ؟
ويستلزم لذلك استقراء منهج النصوص القانونية التي تنص على موانع المسؤولية الجزائية، ومنهج هذه النصوص القانونية في الأخذ بالاضطرابات النفسية بعين الاعتبار عند تقرير المسؤولية الجزائية، أو تخفيف العقوبة على مرتكبها على اعتبار أنه عذر مخفف، أو دخولها ضمن السلطة التقديرية للمحكمة عند الحكم بالحد الأدنى من العقوبة أو تقرير وقف تنفيذ العقوبة.
ونفرق في هذه الحالة بين النصوص الموضوعية والنصوص الإجرائية.
فقد نصت المادة (50) من قانون الجزاء على أنه: “لا يسأل جزائيا من كان وقت ارتكاب الجريمة فاقد الإدراك أو الإرادة ..، أو لأي سبب آخر يقرر العلم أنه يفقد الإدراك أو الإرادة .”
ويستنتج من خلال المادة ، أن فقدان الإدراك والإرادة هو سبب موجب لانعدام المسؤولية الجزائية والإعفاء من العقاب، وقد أحسن المشرع العماني عندما قرر عدم تقييد الأسباب المؤيدة لفقدان الإدراك والإرادة التي تستوجب الاعفاء من المسؤولية الجزائية، وجعلها عامة؛ أي أن المسؤولية تنعدم لأي سبب، يقرر العلم أنه يفقد الإدراك والإرادة وبلا شك أن هذا الأمر يشمل الاضطرابات النفسية التي تصيب الفرد فتعدم لديه حرية الاختيار، وذلك بعد مراجعة المختص لتقييم حالة الفرد، ما إذا كان إدراكه معدوم وقت ارتكاب الفعل أم لا.
كما يمكن الاستفادة من المادة (78/أ) من قانون الجزاء، ذلك أنها لم تقيد النص على أسباب نقصان الإدراك والإرادة، ويمكن أن تشمل المضطرب نفسيا، وحيث نصت: “يعد عذرا مخففا : أ – نقص أو ضعف الإدراك أو الإرادة لدى الجاني وقت ارتكاب الجريمة.”
وفي هذه الإطار يمكن الإشارة إلى المادة (71) من قانون الجزاء التي تنص على أنه: ” للمحكمة عند الحكم بعقوبة الغرامة أو السجن مدة تقل عن (3) ثلاث سنوات، أن تأمر في الحكم بوقف التنفيذ إذا رأت من أخلاق المحكوم عليه، أو ماضيه أو سنه، أو الظروف التي ارتكبت فيها الجريمة ما يبعث على الاعتقاد بأنه لن يعود إلى ارتكاب جريمة، ..”
وتظهر العلاقة بين وقف التنفيذ والاضطرابات النفسية من خلال الحديث عن الشروط الواجب توافرها لتطبيق وقف التنفيذ، ذلك أن المشرع قد نص من الشروط التي يمكن اللجوء إليها لتطبيق وقف التنفيذ هو ظروف المحكوم عليه لتعتمد عليها المحكمة لتقرير وقف تنفيذ العقوبة على المضطرب نفسيا، ذلك أن مفهوم الردع الخاص يستلزم بالضرورة أن يكون المحكوم عليه قادرًا على استيعاب فكرة العقوبة والغاية منها، في الوقت الذي يكون فيه الجاني قد ارتكب السلوك الجرمي تحت تأثير الاضطراب النفسي مما يحول دون تحقيق الردع الخاص.
كما نصت المادة (303) من قانون الإجراءات الجزائية العماني على أنه: “إذا أصيب المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية بجنون أو اختلال أو ضعف عقلي أو مرض نفسي جسيم أفقده القدرة على التحكم في تصرفاته بصفة مطلقة وجب تأجيل تنفيذ العقوبة حتى يبرأ، ويودع في مكان للعلاج بقرار من المدعي العام، على أن تخصم المدة التي يقضيها فيه من مدة العقوبة المحكوم بها.”
وترى الباحثة أن هذا النص القانوني قرر حماية المحكوم عليه الذي يصاب بالمرض العقلي أو النفسي الجسيم، بعد انتهاء محاكمته وأثناء تنفيذ الحكم، حيث أن الجاني وقت ارتكاب الجريمة كان سليما وأن المرض النفسي قد أصيب به بعد ارتكاب الجريمة، وأثناء تنفيذ الحكم، ومن ثم لا علاقة بالمسؤولية الجزائية والتي ترتبت على الجاني بسبب سلوكه الجرمي، حيث قرر المشرع العماني تأجيل تنفيذ العقوبة وإيداعه في مكان العلاج إلى حين شفائه على أن تخصم المدة التي يقضيها فيه من مدة العقوبة المحكوم بها. ويلاحظ أن المشرع العماني لم يفرق بين المرض العقلي والمرض النفسي، بل نص صراحة على المرض النفسي، ولكنه اشترط أن يكون المرض النفسي جسيم، ولم يحدد القانون معنى أن يكون المرض جسيما فيترك الأمر لأهل الاختصاص لتقييم ما إذا كان المرض جسيما.
ونخلص أن النصوص الوطنية تضمنت مجموعة من الأحكام التي شملت الحالة التي يرتكب فيها المضطرب نفسيا السلوك الجرمي سواء في النصوص الموضوعية أو الإجرائية.



























