الصحوة – محمد الدغيشي
عمر بن عبدالله بن علي البريكي، أحد سكان ولاية صحم، وهو معلم مادة تقنية المعلومات بمدرسة كعب بن برشة بولاية صحم. يُعتبر عمر أحد مؤسسي فرقة أريج الإنشادية ويشغل منصب المشرف الفني فيها، حيث بدأت مسيرته الفنية منذ الصغر، عندما كان يرافق والده، رحمه الله، لفن المالد، مما أسهم في تنمية حبه لهذا الفن. تُعد أبرز إنجازاته هي مشاركته في مسابقة منشد الشارقة، حيث حاز على استحسان لجنة التحكيم التي ضمت كبار المنشدين المعروفين، من بينهم المنشد أحمد أبو خاطر. كما شارك في مسابقات خارجية، من ضمنها مسابقة حفظ القرآن الكريم في دولتي ليبيا وإيران.

أكد عمر البريكي أن فن المالد يعد من الفنون التراثية الأصيلة في الثقافة العمانية الأصيلة والثقافة العربية والإسلامية الأصيلة، وفن المالد هو أحد فنون الاحتفاء بذكرى ولادة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث يقدم به الترانيم الإنشادية والروايات التي لها صلة بالمناسبة، كمثل ما قبل ولادة النبي وماذا حدث بالضبط وتعريف الناس والجمهور وسيرة النبي العطرة وأخلاقه. لذلك يعد هذا الفن ذا أصل مرتبط بالثقافة الإسلامية الأصيلة المتمثلة في الاحتفاء بذكرى المولد النبوي الشريف، وكل بلد أو منطقة تعبر عن هذا الحدث بثقافتها، فهناك من يعبر عن هذه المناسبة من خلال إقامة المحاضرات الدينية، وهناك من يعبر عن هذا الحدث بالأناشيد الدينية والبعض يقيم احتفالات وهكذا، والثقافة العمانية تعبر عن هذا الحدث بإقامة فن المالد.
أوضح البريكي أن فن المالد يكون على أشكال مختلفة، فاللون الأول هي قراءة الأدبيات النثرية، والأدبيات النثرية متمثلة في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام والتي كتبها الإمام جعفر بن حسن البرزنجي، والتي كتبها الإمام علي الحبشي في مولد صمت الدرر، وكذلك في مولد الديبعي، وكذلك في مولد العروس التي كتبها ابن الجوزي. وأما اللون الآخر فهي النظم، مثل قصيدة البردة لكعب بن زهير وقصيدة جمانة الربيع والتي جاءت في مدح النبي للشيخ عيسى بن مانع الحميري.
تفاصيل أداء فن المالد
أشار البريكي إلى أن الجانب الأول لفن المالد يأتي بقراءة السيرة النبوية من كتاب “البرزنجي” بترنيمة معينة، ويردد الحضور بعد كل جملة وأخرى بالصلاة على النبي بطريقة معينة، وتختلف طريقة الرد بين الأقطار، وفي وسط كتاب البرزنجي تقرأ قصيدة معينو وتسمى بقصيدة القيام وهي التي يقرأ فيها ذكر المولد النبوي صلى الله عليه وسلم، والتي يأتي في مطلعها “يا نبي سلام عليك، يا رسول سلام عليك”، ويقوم فيها جميع الحضور بالإضافة للقراء، ويكون وقوفا إجلالا واحتراما لحضرة النبي ويستشعرون لحظة ولادة النبي، وباستشعارهم تلك اللحظة يقومون قياما وينشدون هذه القصيدة.
الجانب الثاني لفن المالد
أوضح البريكي أن الجانب الثاني لفن المالد يتضمن ما يقرأ فيه سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، وتتضمنه أناشيد وهذه الأناشيد تسمى باللهجة العامة المردادي وهي التي تنقسم إلى قسمين أحدهما يقوله المنشد والآخر يردده الحضور، ولذلك يسمى بالمردادي، ويكون بالطريقة الكلاسيكية للإنشاد، ويتخلل هذا الجانب فصول “الهوامة”، والتي يتخللها إيماءات حركية بالإضافة للقصائد التي يترنم بها المنشدون، هكذا هو باختصار فن المالد.
مناسبات إقامة فن المالد
أكد البريكي أن فن المالد يقام في المناسبات المختلفة وخصوصا في المناسبات الدينية المعتادة كالمولد النبوي الشريف، الهجرة النبوية، الإسراء المعراج، وبعض المناسبات الاجتماعية بحكم أن المجتمع العماني مجتمع متماسك وتغلب عليهم العاطفة الدينية، وفي أي فرح أو أي حزن يقام فيه فن المالد وتقرأ فيه سيرة النبي تبركا بذكر النبي والصلاة عليه، فيقام هذا الفن في الأعراس وفي فترة ختان الأطفال وعندما يفتتح أحد منزلا جديد وعند الولائم وعند قراءة ختمة القرآن، والقصد من ذلك تبركا بالممدوح الأعظم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.
أسباب إساءة الفهم لفن المالد
أوضح البريكي أن من أسباب إساءة الفهم لهذا الفن، هو أن أي حاجة مرتبطة بالدين وتدخل عليها أنغام معينة أو إيماءات حركية أو أي شيء من الأشياء الثقافية الموجودة في أي بلد مباشرة تكون النزعة الدينية كأنها هاجس عند الشخص وتؤجج عنده العاطفة ويتحدث بأحاديث لا يفهمها، فالفن في أصله هو صلاة على النبي وتؤدى بالحركات، وموضوع الإيماءات الحركية هو المربط الأساسي الذي يدور حوله الحديث، الأمر الذي من الممكن أن تختلط به أفكار الناس ويذهب فكرهم إلى أن هذا الأمر يستخدم لأغراض غير الأغراض المذكورة، وكل ذلك ليس له أي دخل بفن المالد، والذي بسببه يسوء فهم الناس حول فن المالد، ففن المالد له أصول ويقام في أغلب البلدان العربية.
أبرز الأبيات المنشدة في فن المالد
أشار البريكي إلى أن أبرز الأبيات التي تنشد في فن المالد هي: “يا نبي سلام عليك، يا رسول سلام عليك، يا حبيب سلام عليك، صلوات الله عليك” وهي المعتادة في القيام “أشرق البدر علينا واختفت منه البدور مثل حسنك ما رأينا قط يا وجه السرور أنت شمس أنت بدر أن نور فوق نور أنت مصباح الثريا أنت إكسير وغالي” فتعتبر هذه الأبيات الأشهر التي تقرأ في فن المالد، وباقي الأبيات التي تقرأ بين الحين والأخرى مثل قصائد البردة، قصائد الشيخ البرعي، وقصائد ابن الفارض وغيرها من الأبيات المتعلقة بالمديح المحمدي والمناجاة الإلهية والعشق الإلهي.
دور فن المالد في تعزيز الروحانية والترابط المجتمعي
أكد البريكي أن دور فن المالد في تعزيز الروحانية وتعزيز الترابط المجتمعي، فتكون تعزيز الروحانية من خلال إقامة هذه الحفلات وعدم جعلها تمر مرور الكرام لكي تكون لها طعمها الخاص والروح العطرة فلابد من إعطاء هذه المناسبات حقها من خلال إقامتها في أوقاتها لكي يحدث التعلق الروحاني. فالصلاة والصيام والتهجد وقراءة أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام وغيرها من أنواع العبادات عند أدائها فإنها تعزز من الروحانية، وتجعل من الشخص متعلقا بالروح الدينية الأصيلة، فلذلك فإن دور فن المالد يعزز الجانب الروحي من خلال التعلق بالجناب النبوي الشريف والتعلق بالحضرة الأحدية الصمدية، فبالنسبة للجانب الاجتماعي فتجد الصغير والكبير الغني والفقير يجتمعون في هذه المجالس، ويحدث التواصل والترابط من خلال هذه المجالس، فبالتالي يعزز من التواصل المجتمعي.
تأثير الفن على البريكي
وحول ما جذبه إلى فن المالد أوضح البريك أن الروح الصادقة التي انجذب إليها منذ سماعه لذكر النبي محمد عليه الصلاة والسلام وذكر الله عز وجل، والمعاني الدقيقة واللطيفة التي نستشعرها في القصائد وفي هذه المدرسة والألحان والأصوات، بالإضافة إلى ذلك التعلق بالوالد الكريم رحمة الله عليه، ومرافقته منذ الصغر للحضور في مثل هذه المجالس وهذا ما شدني وجعلني متعلقا بفن المالد إلى أن وصلنا لمرحلة التأسيس بما يسمى بفرقة أريج المتخصصة بفن المالد.

تطوير فن المالد
وبالنسبة لمستقبل فن المالد اختتم البريكي الحوار بتمنياته الصادقة أن تكون هناك فرق أخرى تقوم مثل ما قامت فرقة أريج وتظهر هذا الفن ففرقة أريج قامت على إثر بعض الفرق الإنشادية وقامت بتطوير هذا الفن مع ما يتناسب هذا العصر، ولابد من الحرص على عدم ربط هذا الفن بالفنون الأخرى وإخال الألحان الدخيلة على فن المالد، وليست من أصل الشجرة العمانية مما قد يؤثر على الفن. وظهور بعض الفرق يدل على الاهتمام وأن هذا الفن أصبح متناول وللناس رغبة في سماعة، ففي السابق كان الفن يقدم في احتفالية واحدة أو احتفاليتين في السنة، وأما الآن أصبح مطلوبا على مدار السنة وفي أغلب المناسبات الاجتماعية، وهذا يدل على مستقبل مشرق لهذا الفن.






























