الصحوة – بدرية بنت عبدالله الهنائية
كثيرا ما نسمع بلفظ العقوبات؛ وإذا ما تطرقنا إلى المعنى العام للفظ العقوبات، فهي جزاء لما قد يرتكبه الفرد من جرائم تخل بأمن المجتمع واستقراره، وأول ما يتبادر إلى الأذهان من عقوبات هي عقوبة السجن أو ما تسمى بحجز الحرية، إلا أن هناك عقوبات أخرى تطرقت لها أغلب القوانين العربية والأجنبية كقوبة الإعدام والغرامة، وغيرها من العقوبات التكميلية الأخرى كالمصادرة ومنع الإقامة وابعاد الأجنبي، وهناك قوانين عربية وأجنبية تتطرقت إلى نوع آخر من العقوبات، وهو ما يسمى بالعقوبات البديلة، ومعنى ذلك أن تلجأ هذه الدول إلى تطبيق عقوبات فيها من الإصلاح والتقويم للمجرم بعيدا عن العقوبات التقليدية المنتشرة والتي غالبا ما تكلف الدول أموالا باهضة في سبيل تطبيقها، فعقوبة حجز الحرية أو السجن تستنزف اقتصاد الدولة لما يتم صرفه على كل سجين من أموال في سبيل توفير له الاحتياجات الضرورية من مسكن وملبس وماء وكهرباء وغذاء وغيرها.
وإذا ما تطرقنا للأسباب التي تدعو الدول إلى اللجوء إلى هذا النوع من العقوبات البديلة، فإنه من ما لا شك فيه وبسبب التطورات الحديثة في الأنظمة الالكترونية والوسائل التي من الممكن أن يلجأ لها الأشخاص لارتكاب الجرائم، وزيادة عدد السكان بشكل مستمر، فكل ذلك أدى إلى زيادة عدد الجرائم في الدول، وخاصة الدول النامية والتي تعاني من نقص في عدد الوظائف، وبالتالي تزيد فيها حاجة الأفراد للمال والاحتياجات الضرورية للمعيشة، الأمر الذي يدفعهم لارتكاب الجرائم، وكل ذلك يؤدي إلى ازدياد أعداد السجناء إذا ما اعتمدت هذه الدول على عقوبة حجز الحرية كعقوبة أساسية لردع مثل هذه التصرفات، وبالتالي كل ذلك سوف يكلف الدول أموال باهضة في سبيل تطبيقها، ومن هذا المنطلق سعت كثير من الدول بالتفكير في عقوبات بديلة من الممكن أن تحقق غايتين في آن واحد، وهو اصلاح المحكوم عليه وتقويمه وإعادة دمجه في المجتمع دون العودة إلى الجريمة، وتستفيد من خبراته وقدراته التي يملكها، وفي المقابل توفر كثيرا من الأموال التي كانت من الممكن أن تصرفها في سبيل ذلك، عليه سوف أتطرق في هذا المقال لبيان نوع من أنواع هذه العقوبات البديلة والتي أخذت بها بعض الدول وهي عقوبة (المشاركة في برامج التطوع كعقوبة بديلة).
المشاركة في برامج التطوع من العقوبات البديلة والتي طبقتها بعض الدول مثل المملكة العربية السعودية، وتعني (تكليف المحكوم عليه بأداء خدمة للمجتمع أو المرافق العامة للدولة بدون مقابل) بدلا من حجز حريته، وفي ذلك كثير من الفوائد للمحكوم عليه والدولة في ذات الوقت، حيث أنها تجنب المحكوم عليه الاختلاط بالسجناء، وخاصة معتادي الإجرام من الذين لديهم خبرات في ارتكاب الجرائم، وفي المقابل يقدم للدولة خدمة، وتستفيد من خبراته وقدراته، كما تساعد على تدريب المحكوم عليه على العمل واكتساب مهارات مختلفة، الأمر الذي يساعده بعد ذلك للبحث عن فرصة عمل مناسبة تساعده على العيش بعد انتهاء محكوميته، كما تدربه على العمل التطوعي ليفيد المجتمع والهيئات والمؤسسات المختلفة في الدولة، ودمجه مع أفراد المجتمع ليساهم في تنميته، وذلك بدلا من عزله وحجز حريته داخل السجن دون اكسابه أي خبرات، بل على العكس سيكون عالة على الدولة وعلى المجتمع، الأمر الذي من الممكن أن يجعله معتادا على الإجرام نتيجة اندماجه بالمجرمين طيلة فترة محكوميته.
وقد جاء في نص المادة (8) من مشروع نظام العقوبات البديلة السعودي على أنه: ” تطبق عقوبة الأعمال ذات النفع العام، أو عقوبة الأعمال التي تدخل في نطاق الأعمال الاجتماعية أو التطوعية بما لا يتجاوز أربع ساعات عمل عن كل يوم من عقوبة السجن، على أن لا تتجاوز مدة العمل ثمانية عشر شهرا…)، كما صدرت بعض الأحكام من بعض أصحاب الفضيلة القضاة في المملكة العربية السعودية في هذا الصدد ومن الأمثلة عليها (حكم صدر بالسجن لحدثين وقعا في جنحة جنائية لمدة ثمانية أشهر والجلد مائة جلدة مع وقف التنفيذ مقابل قيامهما بنظافة ستة وعشرين مسجدا وخدمة إدارة الأوقاف بالبلدة ساعتين يوميا لمدة شهر كامل)، ومن الأمثلة عليها أيضا (حكم صدر بإلزام أحد الجناة بحفر عدة قبور في مقبرة بلدته)، كما أن قاضي محكمة المويه حكم على أحد المذنبين (بعقوبة تنظيف المسجد وحضور حلقات تحفيظ القرآن الكريم)، وحكم قاض في منطقة صامطة بجازان على شاب (بإيقافه إذا قدم إفادة من جمعية تحفيظ القرآن الكريم بصامطة بحفظ جزء عم، والمشاركة لمدة أسبوع في اللجان الصحية بمخيم اللاجئين)، أما بالنسبة للمشرع العماني لم ينص على عقوبة المشاركة في برامج التطوع من ضمن العقوبات التكميلية والتبعية والتدابير الاحترازية التي نص عليها في القانون، إلا أنه في نص المادة (57) من قانون الجزاء بشأن العقوبات التكميلية نص على عقوبة (التكليف بآداء خدمة عامة)، وربما أنها تقترب في معناها من عقوبة (المشاركة في برامج التطوع)، وذلك من خلال تكليف المحكوم عليه بآداء خدمة للمجتمع دون مقابل، إلا أن المشرع العماني لم يأخذ بالعقوبات البديلة، ولم يفرد لها نصوصا خاصة، إنما أخذ ببعض منها كجزء من العقوبات التكميلية والتدابير الاحترازية.
إن من أهم الشروط التي يجب أن تراعى عند تطبيق المشاركة في برامج التطوع كعقوبة بديلة هو أن يراعى بأن لا تكون العقوبة مما يترتب عليه إهانة للكرامة الإنسانية، بل يجب أن تراعى فيها كرامة الإنسان، وحقوقه وهذا ما نصت عليه الشريعة الإسلامية الغراء التي أوصت بأن يعامل الانسان بأفضل أساليب التعامل، حيث قال الله سبحان وتعالى في كتابه العزيز: ” ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا”، كما أنه من المهم أن لا يترتب على العقوبة ما هو أعظم منها، وذلك كأن تؤدي إلى الوفاة، أو فقدان عضو من أعضاء المحكوم عليه أو تلفه، أو من ان يمنع عنه الطعام والشراب، أو نحو ذلك، بالإضافة إلى أهمية التوافق بين الجريمة المرتكبة والعقوبة المقررة كمقابل لها، وذلك انطلاقا من مبدأ العدالة الذي جاءت به الشريعة الإسلامية، وبالتالي فإنه لا يجوز ان يزاد في العقوبة بحيث يكون هناك ظلم على الجاني، ولا ان ينقص منها بحيث تؤدي الغرض المقصود منها وهو التأديب والزجر والردع والإصلاح، فإنه من الأفضل ان يتناسب العمل التطوعي المعاقب به الجاني مع نوع الجناية التي ارتكبها لتحقق الغرض من العقوبة، فضلا على ذلك فإنه يفضل ان تطبق عقوبة الإلزام بالأعمال التطوعية على الجنح الصغيرة، وخاصة التي يرتكبها الأحداث، أما أصحاب الجرائم الكبيرة والتي تتعلق بالقتل وتهريب المخدرات أو تمس أمن الدولة فلا يشملها هذا النوع من العقوبات.
لذلك، واقتداء بما سارت عليه المنظمات الدولية من اعدادها للأنظمة والدراسات لتقرير بدائل عقابية أكثر مرونة في مجال العقاب، فإنها تطرح افقا واسع لمفهوم العقاب، وبدائل مهمة للعقوبات التقليدية والتي من شأنها أن تؤثر على اقتصاد الدولة وتكلفها خسائر مادية فادحة، فضلا على ذلك فإن استبدال العقوبات التقليدية بالأعمال التطوعية يؤدي إلى المرونة في تطبيقها، وقلة التكلفة المادية بل على العكس قد تؤدي إلى النفع، حيث تساعد المحكوم عليه المخالطة الصالحة والاندماج مع المجتمع العام، وتحقيق الألفة والخير بين أفراده بسبب أعمال التطوع، وتشكل نوع من التوافق مع الفطرة التي تدعو للخير وأعماله المتنوعة، عليه نرى من جانبنا ونوصي المشرع العماني إلى أهمية دراسة موضوع استبدال العقوبات التقليدية بعقوبات بديلة أكثر تنوعا ومرونة في التطبيق لما لها من فوائد على مستوى الأفراد والدولة.




























