الصحوة – علي الحداد
لم تعد إسرائيل تكتفي بدورها التقليدي كقوة احتلال مزروعة في خاصرة الجغرافيا العربية، بل باتت تسعى اليوم إلى إعادة تشكيل المنطقة وفق تصور استراتيجي شامل، لا يقوم على السلاح وحده، بل يمتد إلى عمق السيادة والهوية والانتماء. هذا المشروع، الذي لطالما تغذّى على دعم أمريكي وواقع عربي متصدّع، لم يعد يخجل من إعلان نواياه: شرق أوسط جديد، يكون لإسرائيل فيه اليد العليا، بلا ثمن سياسي، ولا تنازلات تُذكر.
تسعى إسرائيل إلى التطبيع ليس بوصفه مسار سلام، بل كأداة اندماج إقليمي تُكرّس تفوّقها وتمنحها شرعية دون مقابل. اتفاقيات مثل “أبراهام” لم تُبنَ على أساس حلّ عادل للقضية الفلسطينية، بل على تجاوزها كعقبة، وتحويل إسرائيل إلى شريك أمني واقتصادي رئيسي في المنطقة. برزت خلال السنوات الأخيرة تحالفات عربية-إسرائيلية برعاية أمريكية، تحت مظلة مواجهة التحديات المشتركة، وفي مقدمتها الملف الإيراني، تفتح الباب واسعًا أمام إعادة اصطفاف إقليمي غير مسبوق.
ولا يمكن إغفال أن بعض الدول التي انخرطت في اتفاقيات أبراهام قد تكون دفعتها اعتبارات استراتيجية تهدف، بحسب رؤيتها، إلى التأثير على إسرائيل من موقع الشريك لا الخصم، ومحاولة فتح قنوات دبلوماسية قد تُستخدم في تهدئة التصعيد، أو دفع عملية السلام وفق توازنات جديدة. إلا أن هذه الرهانات، رغم حسن نواياها المفترضة، لم تُقابل بأي تغيّر ملموس في السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين حتى الآن.
أما فلسطين، فقضيتها تُختزل اليوم إلى مجرد “مشكلة محلية” قابلة للإدارة. لا حديث جادّ عن دولة، ولا اعتراف بحق العودة، بل مشاريع خنق لغزة، وتفريغ للضفة من كل مقومات الدولة، وتصفية تدريجية لقضية اللاجئين. في الموازاة، تُستثمر النزاعات المتفجرة في سوريا والعراق ولبنان واليمن لتفكيك ما تبقّى من الجسد العربي، وإضعاف العمق الاستراتيجي لأي مقاومة حقيقية.
وإذ تسعى إسرائيل إلى مدّ نفوذها الناعم عبر الاقتصاد والتكنولوجيا، فإنها تصدّر ابتكاراتها في مجالات الأمن والطاقة والزراعة والمياه، لتصبح حاجة لا يمكن الاستغناء عنها. هكذا تتغلغل في السياسات والقرارات، تحت غطاء الشراكات الاقتصادية. تُقدّم نفسها كحليف في “الحرب على الإرهاب”، وتربط المقاومة بالإرهاب العالمي، في محاولة لإعادة صياغة صورتها في الوعي العربي والدولي.
كل ذلك يترافق مع محاولات حثيثة لتفكيك الهوية العربية الجامعة، ودعم النزعات الانفصالية، وتغيير موقع إسرائيل من “العدو الوجودي” إلى “الشريك العصري المتقدم”. شهادات مسؤولين ومحللين تثبت ذلك بلا لبس. بنيامين نتنياهو صرّح عام 2020 أن “التطبيع لا يحتاج إلى حلّ القضية الفلسطينية”. شمعون بيريز كتب منذ التسعينات أن “نهضة الشرق الأوسط تمر عبر الشراكة مع إسرائيل”. أما عزمي بشارة، فيرى أن إسرائيل لا تسعى إلى شرق أوسطٍ يسوده السلام، بل شرق بلا فلسطين. والمفكر محمد سيف الدولة يصف المشروع بأنه “إسرائيلي بامتياز، وليس أمريكيًا فقط”.
ما يُرسم اليوم في الخفاء ليس مجرد خرائط سياسية جديدة، بل تصورات كاملة لهويات مُهندَسة، وذاكرة تُمسَخ، وحقوق تُصفّى باسم “الواقعية”. مشروع “الشرق الأوسط الجديد” بنسخته الإسرائيلية لا يحمل بذور السلام، بل أدوات الهيمنة الناعمة، والتفكيك الممنهج، وإعادة تشكيل المنطقة على مقاس المصالح الصهيونية. لكن المراهنة على إسكات الشعوب، أو كسر إرادة الوعي العربي، ستبقى خاسرة طالما بقي صوت المثقف الحر، والشارع الرافض، حاضرًا. التصدي لهذا المشروع لا يحتاج صراخًا، بل يحتاج مشروعًا مضادًا يُعيد الاعتبار لفكرة التحرر، ويصوغ موقفًا عربيًا يتكئ على الحق والكرامة، لا على الخضوع والارتهان




























