الصحوة – الحسين الرواحي
لطالما كانت العلوم الإنسانية مرآةً تحاول جاهدةً أن تعكس الواقع، فبين اجتهادات هذا العالِم و اجتهادات ذاك، تقع الكثير من التساؤلات و التفسيرات، فبين مؤيد و معارض ينقسم الكثير. لا شكّ أنّ كل اجتهادات العلماء في جميع مجالات العلوم الانسانية هي محل تقدير، حيث أنّ كل إضافة و اجتهاد تشكل تراكمات في مجال العلم ذاته يستفيد منها الكثير من الباحثين و الدارسين فيما بعد. تقع اكبر الفجوات في العلوم الإنسانية في الفرق بين حقيقة الشيء و الواقع، بمعنى أنّ الحقيقة مثالية و لا شرط للواقع أن يكون كذلك، هنا يفقد الكثير من الباحثين و الدارسين أهمية ادراك هذا الشيء، الذي من شأنه أن يعزز فكرة فهمنا لهذه العلوم.
العلوم الإنسانية بنظرة علمية
بين جوهرية التعامل و طريقة رؤيتها
حدّثنا الدكتور عن هذا و قال” أرى بإنّ العلوم الإنسانية على عكس العلوم التجريبية التي تهتم الى حد كبير بالنتيجة المادية و المهارة فقط، تستطيع أن تبني بناء شعوري عميق جداً عند الانسان، وتهتم به كمكون وجداني و انساني، وهي من تساهم في نجاح الانسان حياتياً وليس وظيفياً فقط، لاسيما علم الذكاء العاطفي. هنالك لا شكّ زخم عالي جداً من النظريات الفلسفية، التي بها كثير من التناقضات وهي حالة طبيعية جداً نظراً لأن هذه النتائج هي اجتهادات انسان؛ لأنها ليست قائمة على تجارب مخبرية ثابتة، بعضها قد يجوز تعميمه و لكن ليس كلها أكيد. كذلك نستطيع الرهان في البناء البشري و الإنساني و بناء المجتمعات كلبنة متكاملة على العلوم الإنسانية”.
التشدد و المرونة في العلوم الإنسانية
بين التشدد لفكرة و قبول الآخر: الواقع
وعن هذا يقول الدكتور “المميز في العلوم الإنسانية أنّها تتغير بتغير الواقع، و تساير الاحداث الجارية، ومن لا يؤمن بهذا التغيير لن يستطيع مجاراة الواقع، بل سيبقى متأخراً كثيراً عن ما سيصل له العلم، على سبيل المثال كان في السابق الاعلام هو المكون الخامس او السادس في التأثير على سلوك الطفل، بينما مع ظهور عصر الانترنت هو المكون الثاني و في أحيان كثيرة هو الأول، هنا بإمكاننا القول أنّ العالِم او التربوي ما اذا رفض الاعتراف بهذا التغيير، يصاب بهذا التصادم الفكري و هنا تبدأ الفجوة، و يمكن القول أنّ أغلب المنظرين الذين يميلون الى التشدد هم من يصابون بهذه الصدمة بين ما ينطقون و الواقع، غير أنّي أرى أنّ الجزء الأكبر من المنظرين في العلوم الإنسانية مدركين لهذه الحقيقة، و استمدوا هذه الحقيقة من القرآن الكريم، الصالح لكل مكان و زمان ولكل عينة ولكل البشر حسب الفهم و حسب الموقف بشرط ربطه بالواقع اليوم، فمن غير المنطقي أن يؤخذ نموذج ما، في وقتٍ ما بعيداً عن هذا الزمن، بشكله الجامد و يطبّق في الوقت الحالي”.
النظريات الغربية و تطبيقها في المجتمع العربي الإسلامي
بين أهمية تطبيقها و خصوصية ذلك
يحدّثنا الرواحي قائلاً ” لابد من الاعتراف بأنّ الغرب قد تقدّم كثيراً في العلوم الإنسانية بمختلف مجالاتها، و أغلب ما يصلنا من نظريات و تفسيرات اليوم هو مستورد من الغرب. تقع الإشكالية في أنّ البعض عند محاولة تطبيق هذه النظريات لدينا، لا يراعي الخصوصية، حيث أنه لا يُمكن أن ننسخ تجربة غربية بكامل تفاصيلها و نجردها من كل ما يتناسق مع بيئتنا و نعممها، كما أنّ أغلب النظريات المستوردة من الغرب اليوم مجرّدة من الجانب الديني، وهو ما لا يتوافق مع طبيعة الحال لدينا كمسلمين، حيث أنّ المكون الأساسي لدينا كعلوم إنسانية يجب أن يكون الرجوع لله سبحانه وتعالى في المقام الأول و سنة نبيه الكريم. الجانب الغربي أصبح مادي في الطرح وهنا يقع التصادم و الاختلاف بين الثقافتين، غير أنّه لا يمكننا تجاهل ما أتى به العالِم الغربي في العلوم الإنسانية بالمجمل، و هنا يأتي ذكاء العالِم العربي كيف يستطيع ملائمة ما أتى به الغرب و أكدّه الإسلام قبل ذلك. يعوّض بعض العلماء الغربيين ( الملحدين منهم ) بتعريفات أُخرى كالطاقة و غيرها كتعويض عن وجود الاله، و يعتبر البعض منهم أنّه على الباحث التجرّد من الجانب الديني عن طرح الاطروحات العلمية أهمية قصوى. أما بخصوص أننا كعرب متى سنقدم على طرح نظريات خاصة بنا، فقد تكون الإجابة صادمة نوعاً ما، أرى أننا كعرب متأخرين كثيراً في هذا الجانب، وهو نتيجة متوقعة لما نخصصه من موارد قليلة للبحث العلمي، على عكس الجانب الغربي الذي يسعى بطريقة أو بأخرى لنشر ثقافة البحث العلمي و التعزيز على انتشارها. غير أننا ايضاً لا نسعى الى التكاملية في البيئة العربية، و نعامل كل علم انساني على أنّه علم مستقل، وهي في الحقيقة علوم تكاملية كلٌ منها يُكمل الآخر ولا يمكن اقصاء أي علم من أي مسألة بأي شكلٍ كان”.





























