الصحوة – سعود بن عبدالله الحوسني
في زمنٍ تتسارع فيه الحياة، وتتقلّص فيه المسافات بين الموهبة والاحتراف، تبقى قصص التحوّل الحقيقي من الشغف إلى الإنجاز، قصصًا تستحق أن تُروى. لا لأنها استثنائية في ذاتها، بل لأنها تُشعل في الآخرين فتيل الأمل والإيمان بالذات.
أنس الذيب، مصوّر عماني محترف، هو واحد من أولئك الذين لم يكتفوا بأن يكونوا هواة يقفون خلف العدسة، بل قرر أن يجعل من الصورة وسيلة لقول شيء أعمق، أبقى، وأقرب إلى الناس. من بين أكثر من 55 جائزة دولية ومحلية، ومعارض أقيمت في مسقط ولندن وطوكيو، حمل أنس عدسته ومضى، لا يوثق المشهد فقط، بل يروي حكاية.
في هذا الحديث الخاص، نتتبع مع أنس تفاصيل الرحلة من الشرارة الأولى للشغف، إلى بناء مسار مهني مستقر، وما بينهما من لحظات شك، اختيارات صعبة، ودروس لا تُنسى.
س/ كثير من الناس يملكون شغفًا، لكن القليل فقط يحولونه إلى مسار مهني مستقر
في أي لحظة تحديدًا شعرت أن شغفك بالتصوير لم يعد مجرد هواية، بل صار “طريق حياة”؟ وما الظروف التي ساعدت على هذا التحوّل؟
جـ/ في الحقيقة، أول مرة شعرتُ أن الأمر أصبح أكبر من مجرد “هواية” كانت بعد أول جائزة دولية حصلتُ عليها. ليس لأن الجائزة بحد ذاتها غيّرتني، بل لأنها فتحت عيني على فكرة أن ما أقدّمه من القلب قادر على الوصول إلى قلوب الناس في أي مكان. منذ ذلك الحين، بدأت أنظر إلى التصوير ليس فقط كمتعة، بل كمَسؤولية ورسالة وطريق يمكنني أن أبني عليه مستقبلي.
والأمر الآخر، حين يرتبط اسمك باسم وطنك، وتكون سببًا في رفعته، فذلك بحد ذاته إنجاز عظيم ومصدر فخر كبير.
س/ في بداية الطريق، لا أحد يراك بوضوح
كيف تعاملت مع لحظات التهميش أو الشك في موهبتك؟ وهل كانت هناك مواقف شعرت فيها بأنك تقف على الحافة بين الاستمرار والتراجع؟
جـ/ التهميش جزء طبيعي من البدايات. كثيرون لم يكونوا يرون عملي أو يمنحونه أي اهتمام. لكنني كنت مؤمنًا بأن استسلامي سيضيع جهد شهور وسنوات. كانت لدي لحظات من الشك، لكنني كنت أقول لنفسي دائمًا: “إذا لم يرك الناس، فاستمر في العمل حتى يراك إنجازك”.
الصبر والاستمرارية هما أقوى رد على التهميش، وحين تواصل العمل وتدع إنجازك يتحدث عنك، فإن ذلك يُحدث فرقًا، ويجعل الناس يشعرون أنك تمثل قيمة حقيقية بالنسبة لهم.
س/ يقول البعض: الشغف لا يكفي وحده، نحتاج للمال، والدعم، والفرص
من واقع تجربتك، كيف توازن بين العمل بدافع الشغف، وبين متطلبات السوق والواقع العملي؟
ج/ الشغف وحده لا يكفي للاستمرار، لا بد من العمل على تطوير الذات، وتعلم كيفية تسويق العمل، وفهم متطلبات السوق. لقد تعلمت أن أوازن بين ما أحبه وبين ما يحتاجه السوق.
فقد أحب تصوير الطبيعة، ولكن إن كان السوق يطلب محتوى تجاريًا؟ أقدمه بطريقتي، مع الحفاظ على لمستي الخاصة الشغف هو المحرّك، ولكن العقل هو من يمسك بالمقود.
س/ النجاح ليس خطًا مستقيمًا
هل يمكنك أن تشاركنا بخطأ أو إخفاق مررت به في مسيرتك، لكنه كان سببًا غير مباشر في تطورك أو نضجك المهني؟
جـ/ قبل عدة سنوات، وافقت على مشروع كبير دون أن أقرأ جميع التفاصيل… والنتيجة؟ خسرت وقتًا ومالًا وجهدًا، لكن ذلك الخطأ علّمني كيف أقول “لا” حين يكون ذلك ضروريًا، وأن أنظم عملي بشكل صحيح. أحيانًا، تكون الأخطاء هي التي تُعلّمك مهارات لم يكن بالإمكان اكتسابها في ورشة أو دورة تدريبية.
س/ كثير من الشباب اليوم يسألون: كيف أبدأ؟ من أين أبدأ؟
ما الرسالة التي توجهها لمن يملك شغفًا ما، لكنه لا يزال مترددًا أو يائسًا من تحويله إلى نجاح ملموس؟
جـ/ إذا كنت تنتظر التوقيت المثالي، فاعلم أن العمر سيمضي وأنت لم تبدأ بعد. خذ خطوة صغيرة اليوم — جرّب، حتى إن كانت البداية بسيطة. لا تُقارن نفسك بالآخرين، بل قارن بين ما أنت عليه الآن وما ستكون عليه بعد عام كل إنجاز بدأ بخطوة، وكل محترف كان هاويًا في يوم من الأيام لا تخف من الفشل، بل خَف من أن تندم لأنك لم تجرّب.





























