الصحوة – ناصر بن محمد الحامدي
ليست المدن مجرد تجمعات عمرانية أو مراكز للعيش البشري، بل هي تجليات لروح التاريخ ومرايا تعكس تطور الوعي الإنساني،ومن بين أهم مدن عُمان التاريخية، تتألق مدينة صحار كمثال حي على التقاء الجغرافيا بالتاريخ،
والاقتصاد بالحضارة،والروح بالتجربةالبشرية،فلسفياً، تمثل صحار نموذجاً لفكرة “المكان” باعتباره ذاكرة جماعية وكياناً حياً يتجاوز حدوده المادية ليصبح رمزاً ثقافياً ومفهوماً حضارياً عميقاً.
تشير المصادر التاريخية إلى أن صحار كانت عاصمة لعُمان في القرنين التاسع والعاشر الميلادي،وقد وصفها الرحالة والجغرافي العربي الإدريسي في القرن الثاني عشر الميلادي في كتابه “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” بقوله: “صحار من أعمر مدن عُمان، وأكثرها تجارة وصناعة، ويجتمع إليها التجار من الصين والهند والسند”
كما ورد في كتاب “المسالك والممالك” لأبي عبيد البكري أن “صحار مدينة ذات أسواق عامرة، وميناء تُبحر منه السفن إلى أقصى مشارق الأرض”
وتُظهر الحفريات الأثرية الحديثة التي قامت بها وزارة التراث والسياحة العُمانية في منطقة خور الحمام وجود آثار لمستوطنة بشرية وصناعية تعود إلى العصر البرونزي، ما يعكس عمقها التاريخي الضارب في القدم.
لم تكن صحار حاضرة اقتصادية فحسب، بل كانت أيضاً البوابة الأولى التي دخل منها الإسلام إلى سلطنة عُمان والقطر العُماني التاريخي، إذ استقبلت الصحابي الجليل عمرو بن العاص رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن خلالها انتشر الإسلام إلى ربوع عُمان قاطبة، لكونها العاصمة لعمان آنذاك.
وقد احتضنت صحار أول منبر للرسول صلى الله عليه وسلم في عُمان، وجاء في روايات حديثية أن الخليفة عمر بن الخطاب عدّ صحار من الأمصار الكبرى، وضمّها إلى قائمة المدن المهمة مثل الكوفة والبصرة، ما يعكس مركزيتها الحضارية والدينية.
كذلك أنجبت صحار عدداً من العلماء والأدباء الذين تركوا بصمة في تاريخ الفكر العُماني والعربي، من أبرزهم:
١.العوتبي الصحاري، صاحب كتاب الأنساب، الذي يُعد مرجعاً أساسياً في حفظ الأنساب العُمانية.
٢.ابن الذهبي الصحاري، الذي ألّف أول قاموس طبي باللغة العربية، مما يبرز ريادة صحار العلمية في الطب والمعرفة.
٣.عبدالله أبو القاسم الصحاري، التاجر العُماني البارز، الذي كان له شأن كبير في الصين، حيث ساهم في توطيد العلاقات التجارية والثقافية بين عُمان وشرق آسيا، وترك أثراً يُذكر في الوثائق الصينية القديمة، مما يدل على الامتداد البحري والتجاري لصحار في العصور الإسلامية.
كما عُرفت صحار بسوقها الأدبي الشهير منذ ما قبل الإسلام، والذي كان مركزًا للتبادل الثقافي والفكري.
ومن رجالاتها البارزين القائد العُماني أبو حمزة الشاري، والإمام الجلندى بن مسعود الذي قامت على يديه أول إمامة عُمانية، إلى جانب آل الرحيل، وهي عائلة علمية معروفة بعطائها الفكري والفقهي وحضورها المؤثر في التاريخ العُماني.
وفي سياق التحولات السياسية الكبرى في التاريخ العُماني، شهدت صحار ميلاد دولة البوسعيد عام 1744م، حين بايع أهلها الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي بعد أن نجح في التصدي للقوى الأجنبية، واضعاً بذلك حجر الأساس لأطول الأسر الحاكمة استقراراً في المنطقة، هذا الحدث التاريخي لم يكن مجرد انتقال للحكم، بل لحظة تأسيس لمشروع وطني عُماني انطلق من صحار، ليعيد رسم ملامح السيادة العُمانية على البر والبحر.
حضارياً، لعبت صحار دوراً مفصلياً في تشكيل الهوية البحرية العُمانية، واشتهرت بتجارة النحاس منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد، حيث كانت تصدّره إلى حضارات وادي الرافدين وساحل السند، وقد ذكرت وثائق السومريين مدينة تُعرف “بمجان” ويُرجّح المؤرخون أنها صحار أو محيطها.
كما ارتبطت المدينة باسم العالم الملاحي أحمد بن ماجد، الذي ترك إرثاً معرفياً يُعد أساساً لعلوم الملاحة الإسلامية، واحتضنته صحار كمدينة بحرية ثقافية، حيث انطلقت منها السفن إلى سواحل إفريقيا والهند والصين، ومن هنا، يتجلى مفهوم الفيلسوف هابرماس للمدينة “كفضاء عمومي” للتفاعل بين الشعوب والثقافات.
من المنظور الفلسفي، تتجاوز صحار كونها موقعاً جغرافياً لتصبح حاضنة للذاكرة الجمعية، وجسداً حياً لتاريخ الإنسان العُماني، وكما يرى الفيلسوف مارتن هايدغر “الإنسان لا يسكن المكان، بل يسكن المعنى الكامن في المكان”وهذا يصدق تماماً على صحار، حيث تتقاطع الأزمنة فيها، بين أطلال الماضي وتحديات الحاضر.
لاتزال قلعة صحار وسورها التاريخي يشهدان على عصور الازدهار، في حين يجسد ميناؤها الصناعي الحديث استمرار الدور التجاري والاقتصادي للمدينة في العهد المعاصر ،وفي هذا الامتداد الزمني المتصل بين الماضي والحاضر، تبرز لفتة السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ حين أمر ببناء جامع السلطان قابوس في صحار، ثاني أكبر جامع في سلطنة عُمان بعد الجامع الأكبر في مسقط، لم يكن ذلك قراراً عمرانياً فحسب، بل تجلٍ لوعي عميق بأهمية صحار كمكان يتجاوز جغرافيته ليُلامس جوهر الهوية العُمانية،لقد اختار السلطان أن يُعيد ترسيخ حضور المدينة عبر منارة روحية ومعمارية تليق بتاريخها، في دلالة رمزية على أن صحار ليست طيفاً من الماضي، بل شريك فاعل في صناعة الحاضر واستشراف المستقبل؛ومع ذلك،
لايزال الجانب الثقافي والسياحي منها أقل استثماراً مما تستحقه مدينة بهذه القيمة.
ختاماً، تثبت الوقائع التاريخية والحفريات والوثائق العربية والأجنبية أن صحار ليست مجرد مدينة عُمانية عادية، بل واحدة من أعرق الحواضر في التاريخ العربي والإسلامي والبحري العالمي، إنها مدينة تستحق أن تكون محوراً للتنمية الثقافية والسياحية، وقبلة للمهتمين بالتاريخ والفكر.
ومن هذا المنبر الفلسفي، ندعو إلى إعادة الاعتبار لصحار في الحاضر العُماني، عبر تعزيز مكانتها في المناهج التعليمية، ودعم ترشيحها كموقع تراث عالمي، ومدينة للثقافة العربية والإسلامية،وتكثيف الجهود السياحية لإبرازها كنموذج للتلاقي الحضاري والإنساني.
فهي ليست ذاكرة الماضي فقط، بل فرصة للحاضر واستثمار للمستقبل.




























