الصحوة – ناصر بن محمد الحامدي
في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، يُلاحظ ميل واضح لدى الكثير من النخبة المؤثرين في الفكر والثقافة والمعرفة الدينية إلى استحضار الماضي بوصفه نموذجاً مكتفياً بذاته، ومرجعاً حصرياً للحكم على الحاضر والمستقبل،هذا الميل لا يتجلى فقط في المحتوى الذي يقدمونه، بل في البنية العميقة للخطاب الثقافي ذاته، وكأن الزمن قد توقّف عند لحظة مقدسة، لايجوز تجاوزها، ولا حتى تأويلها.
لكن، ما الذي يدفع فئة من حملة الخطاب الثقافي إلى الارتهان للماضي، والتنصل من التحديات الحاضرة والممكنات المستقبلية؟
وهل هذا التاريخ المستحضر هو وعي بالتاريخ فعلاً، أم أنه مجرد هروب ناعم من مسؤولية الفكر والفعل؟
الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه كان يرى أن “التاريخ قد يكون عبئاً إن لم يُستعمل للحياة” وهذا القول ينطبق على واقعنا بدقة مذهلة.
فرجال الفكر والثقافة لا يستحضرون الماضي بوصفه تجربة إنسانية قابلة للفهم والنقد، بل يقدّمونه “كنموذج متعالٍ” يعلو على الزمن، ولا يخضع للتاريخانية؛إنه تاريخ مؤسطَر، لاتاريخ مؤرّخ.
وفي هذه الرؤية، يُنتزع الإنسان من شرطه الزمني، ويُحاكم وفق معايير لا تنتمي لعصره، بل لعصرٍ مكتفٍ بذاته.
الخلط بين القداسة والوضعية هو أصل الأزمة،فما كان اجتهاداً بشرياً في تراثنا الماضي، أصبح في خطاب البعض حكماً ثابتاً أبدياً، مع أن الزمان قد تغيّر، والإنسان قد تعقّد، والعالم قد أصبح شديد التشابك.
هنا يغيب مفهوم الاجتهاد المقاصدي، ويحل محله الجمود المعرفي أو النصي، الذي يرى في أي تجديد نوعاً من “الخيانة” للموروث، لا تجديداً لفهمه.
الخطاب الثقافي حين يغرق في الماضي، غالباً ما يُسقِط من حساباته الإنسان المعاصر في:
١.حاجاته النفسية
٢.صراعاته الفكرية
٣.أسئلته الوجودية
وبدل أن يكون التراث مرشداً للحياة، يتحول إلى محاكمة للتاريخ لا تنتهي،
الإنسان هنا إما تائب من حاضرٍ فاسد، أو مقصر في استحضار ماضٍ طاهر، أما أن يكون مشروعاً للمستقبل؟ فتلك مسألة غائبة أو مشكوك فيها.
هروب رجال الثقافة إلى الماضي ليس هروباً معرفياً فقط، بل وجودياً وسياسياً أيضاً وهو نابع من منطلق:
1.”الطمأنينة” الماضي لا يطرح أسئلة مزعجة؛ كل شيء فيه معروف ومحسوم.
2.”السلطة”من يتحدث بلغة الماضي، يتحصن خلف قداسة يصعب نقدها.
3.”الخوف من التغيير” الحاضر والمستقبل يحملان فوضى، واحتمالات لا يمكن ضبطها.
فإذا أردنا للخطاب الثقافي أن يكون حياً وفعالاً، فلابد أن:
١.يقرأ الماضي كتجربة بشرية، لا كمرجع أزلي.
٢.يتعامل مع الحاضر بتواضع الفهم لا عصبية الإدانة.
٣.يبني تصوّراً للمستقبل بعيون فقه الواقع لا أحلام اليقين الخادعة.
إن تراثنا المعرفي لم يوجد يوماً ليكون قصة تاريخية فَحَسْب، بل ليكون قوة مغيرة في الزمن، ومن هنا، فإن استدعاء الماضي لا يكون فعالاً إلا إذا كان مقدّمة لتحرير الإنسان، لا تثبيته في قيد الزمن الغابر.
فحين يتحول التراث إلى حكاية مقدسة،يفقد روحه التغييرية، وحين يصبح الماضي هو المعنى الوحيد للتراث، يفقد أفقه الكوني.
نحتاج إلى خطاب ثقافي يحبّ الحياة بقدر ما يوقّر الموت، ويقرأ الغيب بقدر ما يحترم الحاضر، وينتمي إلى الإنسان الحاضر بقدر ما ينتمي إلى الإنسان الماضي.


























