الصحوة – في الساعات الأولى من صباح السبت 26 أبريل 1986، استيقظت أوكرانيا على انفجار لم يكن يشبه أي انفجار عرفته البشرية من قبل، لم تكن قنبلة، ولم تكن ضربة عسكرية، بل كان انفجارًا في مفاعل نووي مدني، تسبب بكارثة بيئية وإنسانية وصحية لا تزال آثارها حاضرة حتى اليوم.
إنه مفاعل «تشيرنوبل»، أحد أكبر وأخطر المفاعلات النووية التابعة للاتحاد السوفيتي آنذاك، والذي انفجر نتيجة أخطاء بشرية فادحة خلال تجربة تقنية كان الهدف منها تحسين إجراءات الأمان، المفارقة أن هذه التجربة نفسها أودت بالمفاعل وبمدينة كاملة، وخلّفت وراءها واحدة من أسوأ الكوارث النووية في التاريخ.
كيف بدأت الكارثة؟
في تلك الليلة، كان المهندسون يجرون تجربة تهدف لاختبار قدرة التوربينات على توليد الكهرباء مؤقتًا في حال انقطاع التيار، ولإنجاح الاختبار، تم تجاوز عدد من إجراءات الأمان، وأُجريت التجربة بطاقة منخفضة جدًا، ما أدى إلى حالة عدم استقرار داخل المفاعل.
عندما حاول الفنيون إيقاف المفاعل باستخدام زر الطوارئ، حدث العكس تمامًا، ازداد التفاعل النووي بشكل هائل خلال ثوانٍ معدودة، وارتفعت الحرارة، وانفجر المفاعل مرتين، مما أدى إلى تدمير سقف المفاعل وانبعاث سحب من الغازات المشعة إلى السماء.
صدمة وانتشار صامت
خلال الأيام الأولى، حاولت السلطات السوفيتية التكتم على ما حدث، لم يتم إجلاء السكان مباشرة، بل استُخدمت فرق الإطفاء والجيش في محاولة للسيطرة على الوضع دون إعلامهم بخطورة الإشعاع.
لكن في اليوم الثالث، اكتشفت محطات نووية في السويد مستويات مرتفعة من الإشعاع، وأجرت تحقيقات قادت إلى تحديد مصدره: تشيرنوبل. عندها، اضطرت موسكو إلى الاعتراف بما حصل.
أُجلي أكثر من 300 ألف شخص من المناطق المحيطة، وبدأت فرق الطوارئ في محاولة احتواء الحريق ودفن المفاعل تحت كميات هائلة من الرمل والبورون والرصاص.
لاحقًا، بُنيت قبة خرسانية ضخمة فوقه لعزله، أُطلق عليها اسم “الساركوفاج”، قبل أن تُستبدل عام 2016 بقبة فولاذية أكثر أمانًا.
كلفة بشرية وبيئية باهظة
تسببت الكارثة في مقتل العشرات في الأسابيع الأولى، كما أصيب الآلاف بأمراض مرتبطة بالإشعاع، أبرزها سرطان الغدة الدرقية، خاصة بين الأطفال، وقدرت الأمم المتحدة عدد المصابين المباشرين بالآلاف، فيما اختلفت التقديرات حول عدد الوفيات على المدى الطويل.
أما البيئة، فتلقت ضربة قاسية، منطقة “الغابة الحمراء” المحيطة بالمفاعل ماتت فيها النباتات والحيوانات، وتحولت إلى واحدة من أكثر الأماكن تلوثًا في العالم.
اليوم… شبح تشيرنوبل يعود بصيغة جديدة
بعد مرور ما يقرب من أربعة عقود، لا تزال تشيرنوبل تذكّر العالم بأن الطاقة النووية لا تتحمل الخطأ، سواء أتى من زر طوارئ خاطئ، أو من قرار سياسي متسرّع.
وفي هذا السياق، تتجه الأنظار هذه الأيام إلى الشرق الأوسط، بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، شن ضربات عسكرية استهدفت منشآت نووية إيرانية، قال إنها دُمّرت بالكامل.
في المقابل، توعّدت إيران بالرد عبر ثلاث مسارات، بحسب تصريحات مستشار المرشد الأعلى، ما يفتح الباب على سيناريوهات تصعيد قد تكون لها عواقب خطيرة، ليس فقط على الأمن، بل على البيئة وسلامة الملايين.
رغم اختلاف الظروف، إلا أن الخطر واحد: مفاعل نشط + قرار غير محسوب = كارثة محتملة.
تشيرنوبل لم تكن حربًا، بل تجربة فنية فاشلة. ومع ذلك، عانى العالم كله من نتائجها. فكيف سيكون الحال لو استُهدفت منشأة نووية نشطة في نزاع عسكري؟ ماذا لو تسرّب الإشعاع مجددًا؟ هنا يكمن القلق، وهنا تهمنا قصة تشيرنوبل اليوم أكثر من أي وقت مضى.




























