الصحوة – د. فوزية الشحية
وسط كل الأحداث التي يشهدها العالم اليوم لا بد لنا من الرجوع والوقوف أمام بعض المصطلحات المهمة ، فمعاني مثل الديمقراطية والحوار وتقبل رأي الآخر نجدها من الضروريات الملحة لبناء مجتمعات مستقرة ومتقدمة.
فالديمقراطية ليست مجرد نظام سياسي ، أو نظام لصنع قرار داخل مؤسسة أو منظمة أو بلد ، بل هي أسلوب حياة يقوم على احترام الإنسان وحقوقه وكرامته، ويضمن له حرية التعبير والمشاركة في الشأن العام ، والقدرة على التعبير عن الرأي العام دون خوف أو قيد ولكن مع وجود ثقافة حوار حقيقية ، فالحوار هو الأداة التي تتيح للناس تبادل الأفكار ، وفهم وجهات النظر المختلفة ، وبناء جسور التفاهم ولا يمكن للحوار أن يكون فعالا ما لم يبنى على الاحترام المتبادل والقدرة على الاستماع والتفهم بعيدا عن التعصب أو الرغبة في فرض الرأي ، فالحوار الجاد الواعي يصنع مجتمعا قادرا على تجاوز الخلافات وتحويل التنوع إلى قوة ، فتقبل الآخر لا يعني الاتفاق معه ، بل احترام حقه في أن يكون مختلف في فكره، في معتقده ، وفي أسلوب حياته ، وهذا ما يعكس النضج الفكري والسلوك الحضاري للفرد والمجتمع.
ولعل من أبرز النماذج التي تجسد هذه القيم على أرض الواقع هي سلطنة عمان ، التي اتخذت عبر عقود ولا زالت تتخذ موقفا متزنا وحياديا من القضايا السياسية الإقليمية ، والدولية ، وهذا الحياد لم يكن موقفا سلبيا وضعيفا كما يدعي البعض ، بل تعبيرا عميقا عن إيمان السلطنة بثقافة الحوار ، ورفضها للإنحيازات التي تؤجج الصراعات. فلطالما كانت عمان منصة للوساطة والتقريب بين وجهات النظر، وموطنا لاحترام الآخر مهما كانت التباينات السياسية أو الدينية أو الفكرية.
إن النهج العماني القائم على عدم التدخل في شؤون الغير، والدعوة إلى التفاهم والحل السلمي، يعكس روح الديمقراطية الحقيقية التي لا تفرض نفسها بالقوة بل تعتمد على عدة قيم ومفاهيم يمكن تجسيدها في السياسات والمواقف كما فعلت سلطنة عمان والتي أثبتت في أكثر من موقف إن الحوار والحياد الإيجابي هو أداة قوة وليست أداة ضعف ، وإن ترسيخ هذه المفاهيم والمقيم لا تقع على الحكومة وحدها ، بل تبدأ من البيت وتبنى في المدرسة ، وتعزز في الإعلام وتترسخ من خلال القوانين والمؤسسات.


























