الصحوة : علي الحداد
في شرق عُمان، حيث تتلاقى اليابسة بالمحيط وتلتف الرمال حول أطراف البحر كوشاح ناعم، ترقد الأشخرة، النيابة الساحلية التي لا تصرخ بجمالها، بل تهمس به. لا تأتي كضوضاء المدن، ولا كتلك الوجهات التي تملأها اللافتات والأسواق الصاخبة. الأشخرة تشبه مقطوعة موسيقية كلاسيكية، تبدأ بهدوء، وتتصاعد بإحساس، وتنتهي بسلام عميق.
في شهور الصيف التي تشتعل فيها بقية البلاد، تتنفس الأشخرة نسيمًا من نوع آخر. الرياح الموسمية التي تصل من بحر العرب تنشر على المكان لحنًا بارداً، كأن الطبيعة اختارت هنا أن تتمرد على حرّ القيظ. الهواء عليل، والسماء مفتوحة بلا شوائب، والشمس رغم سطوعها لا تلسع، بل تراقب بصمت. بين يونيو وسبتمبر، تصبح هذه الرقعة الساحلية ملاذاً، لا يُقصد لمجرد الهروب، بل للعودة إلى الذات.
يبدأ الحضور الفعلي حين تصل إلى الشاطئ. الرمل ناعم إلى حد أنه يُشبه الهمس، والبحر أمامك لا يزأر، بل يعزف موجاته في إيقاع ثابت. لا تحتاج إلى جدول أنشطة، فالبحر وحده كفيل بأن يملأ يومك، بنزهة مشي على الشاطئ، أو سباحة في مياهه الفيروزية، أو حتى الجلوس صامتاً، تستمع إلى الحوار الأبدي بين الريح والماء. كل شيء هنا بسيط، وكل بساطة تخبئ وراءها عمقاً خفياً، كأنك في مقامٍ موسيقي قديم، تُعيد اكتشافه دون أن تملّ.
وحين تمضي قليلاً جنوباً، تصادف مشهداً من نوعٍ آخر. محمية رأس الجنز، ذلك الامتداد البيئي الذي لم تعبث به يد الزمن، حيث تتوافد السلاحف الخضراء لتعشش وتعيد دورة الحياة. المشي في تلك المنطقة ليلاً، برفقة دليل يشرح ويشير، ليس مجرد نشاط، بل لحظة تواصُل مع شيء أكبر من السياحة، أشبه بحضور مقطع نادر من سيمفونية الطبيعة. ترى السلاحف تخرج ببطء من البحر، تحفر، تضع البيض، ثم تعود للماء وكأنها لم تكن. لا تصدر صوتاً، لكن حضورها يملأ المكان بصوت الحياة.
وإن كنت من هواة الحكايات الحجرية، فستجد في حصن رأس الحد ما يرضي شغفك. مبنى تاريخي متقشف الملامح، محاط بالحدائق، يطلّ على البحر من علٍ، كأنه الحارس الأخير على نغمة الأمس. زيارته تُشعرك أنك عبرت بوابة إلى الماضي، حيث البحر كان طريقاً وسلاحاً، والتاريخ لا يُقرأ، بل يُشاهد ويُلمس.
لكن الأشخرة ليست فقط بحرًا وسلاحف وتاريخًا، بل أيضًا حياة بسيطة، أصيلة. في زواياها الصغيرة ما زالت الحِرف حيّة، من صناعة المراكب إلى حياكة النسيج، حيث الأصوات ليست رقمية بل بشرية، والحكايات تُروى باليد لا بالشاشة. الناس هنا لا يبيعون منتجات، بل يعرضون ذاكرة.
وحين تميل الشمس إلى المغيب، ويتحول الشاطئ إلى سجادة ذهبية تحت الضوء، لا شيء أجمل من التمدد أمام البحر في أحد المنتجعات الصغيرة، كشاطئ الأشخرة أو منتجع أتانا. ليست فخمة بالمقاييس الفندقية العالمية، لكنها غنية بالتجربة. غرفة مطلة على البحر، سرير مريح، نسيم لا ينقطع، وهدوءٌ يجعلك تنسى ضجيج المدن. فيلا Ash Villa أيضاً خيار لمن يبحث عن خصوصية عالية، وأجواء أسرية دافئة.
ورغم كل هذه العناصر الجذابة، لا تزال الأشخرة بعيدة عن السياحة الصاخبة. قلة عدد السكان، وتواضع البنية التحتية، يجعلان من مشاريع الاستثمار الكبرى حلماً مؤجلاً. لكنها في هذا التأجيل بالذات، تحتفظ بروحها. لا تزدحم، لا تُستنزف، بل تبقى نقية، كأنها تريد زائرين يسمعون أكثر مما يتكلمون، ويشعرون أكثر مما يصورون.
هكذا تبقى الأشخرة على حالها، نغمةً خافتة في نهاية لحنٍ صيفي صاخب. لا تحتاج إلى مؤثرات، لأن جمالها أصلي. لا تفرض عليك شيئًا، لكنها تمنحك كل ما تحتاجه لتعود أخف، وأنقى، وأكثر تواصلاً مع نفسك. في الأشخرة، لا تأخذ معك ذكريات فحسب، بل تعود وفي قلبك لحن يُعزف كلما تذكرتها .





























