الصحوة – خالد بن سالم الغساني
الألم الذي أحدثه فعل المقاومة ، والصمود الأسطوري لأبناء غزة العزة ، وروح التضحية المؤمنة بحتمية الانتصار التي لا تعرف الانكسار مهما بلغت التضحيات ، أثار ردود فعل واسعة . هذه الردود غذّت حملات الترويج لثقافة الهزيمة والاستسلام ، وكثّفت الدعوات إلى التطبيع مع العدو والتسليم له بما اغتصبه . وقد استُخدمت لهذا الغرض كل الوسائل الممكنة ، بدءًا من وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي ، مرورًا بأصوات بعض الشخصيات التي تُحسب على العلماء والمثقفين والمفكرين ، وانتهاءً بالمشاهير الجدد الذين يروجون عبر قنوات اليوتيوب وتيك توك وغيرها من المنصات لكل فكرة فاسدة .
هذه الظاهرة الخطيرة باتت تهدد النسيج الاجتماعي والروح المعنوية للشعوب العربية والإسلامية ، خاصة في ظل أفعال البلطجة والقتل الممنهج والتدمير الذي يمارسه الكيان المحتل ، وسط صمت دولي وعربي رسمي مريب . تنتشر هذه الثقافة عبر قنوات متعددة #إعلامية #سياسية #اقتصادية #ثقافية ، وحتى باسم الدين ، وتتسلل إلى المقاهي والمجالس والمناسبات الاجتماعية المختلفة ، مدعومة بكل إمكانات البقاء والاستمرار من مؤسسات ودوائر وآلات ضخمة يشرف عليها ويديرها اللوبي الصهيوني-الأمريكي-الأوروبي . هدفها الأول زرع اليأس وتبرير الخضوع والاستسلام تحت ذرائع الواقعية والحفاظ على الأمن والاستقرار .
هذه الثقافة لا تقتصر على الدعوة إلى الاستسلام فحسب ، بل تسعى إلى تشويه صورة المقاومة ، ملصقةً بها أسباب الدمار والتشريد الذي يعانيه الشعب الفلسطيني ، وتصوّر #التطبيع باحترافية عالية كخيار عقلاني وحضاري لتحقيق السلام والنماء المزعوم .
يعمد إعلام العدو إلى تعزيز هذا الخطاب بتسليط الضوء على الخسائر الناتجة عن المقاومة ، متجاهلاً خسائر العدو والانتهاكات اليومية للكيان الغاصب وجرائمه البشعة من احتلال وقتل وتهجير ، ويصوّر المقاومة كمفتعلة للصراع ، بينما يروّج للتطبيع كحل سحري ينهي المعاناة ويفتح أبواب الرخاء والاستقرار .
يشارك في كل هذا ؛ الإعلام المحلي الهجين والمدجن ، الذي يسعى إلى ترسيخ أفكار التسليم بالأمر الواقع والرضوخ والاستسلام وبيع قضية الأمة ، متغاضياً عن الحقيقة التاريخية للصراع ، وهي أن دويلة الكيان الإسرائيلي قائمة على الاحتلال والقتل والتشريد والتوسع على حساب الحقوق الفلسطينية والعربية . يعزز هذا الخطاب من خلال نشر التشاؤم والإحباط بين الأفراد ، وتصوير قوة العدو بأنها لا تُقهر ولا يمكن الانتصار عليها ، حيث يكرر أن المقاومة عبثية لا تجلب سوى الدمار ، وأن الخضوع للواقع المفروض هو الخيار الوحيد .
هذا الخطاب يحوّل المقاومة من فعل بطولي يعبر عن الكرامة والعزة إلى تهمة تُحمّلها مسؤولية معاناة الشعب ، بينما يُقدّم التطبيع كبديل واقعي يحقق السلام ، رغم أنه يعني القبول بالظلم والهيمنة الإسرائيلية . هذه الرواية خلقت وتخلق انقساماً داخلياً خطيراً ، حيث بات البعض ينظر إلى أي فعل مقاوم على أنه مغامرة تعرض الناس للخطر ، بينما يُصوّر المطبّعون كأصحاب رؤية عقلانية تسعى إلى السلام والأمن والازدهار .
إن مواجهة هذه الثقافة تتطلب التمسك بتعزيز الوعي بأهمية المقاومة كحق مشروع للدفاع عن الكرامة والحقوق . وعلى وسائل الإعلام الشريفة وكل فرد حر وشريف ، عالمٌ في الدين أو الذرة ، مفكر أو إنسان بسيط يعيش على هذه الأرض وينشد الحرية والكرامة ، أن يركز على كشف الممارسات اللاإنسانية والانتهاكات الإسرائيلية ، وفضح زيف وعود التطبيع ، وتسليط الضوء على تاريخ الصراع ، مجتهداً في تشجيع الحوار الذي يعزز الصمود ويحث على الوحدة الوطنية ، رافضاً بصوت عالٍ اتهام المقاومة بالتسبب في المعاناة ، بل معتبراً إياها درع الأمة الذي يحمي شرفها ويصد عنها كل أفعال الخسة والتدنيس لترابها ومقدساتها وإنسانها ، مع تعزيز الثقة بحتمية انتصار الحق مهما عظمت التضحيات .
رفض ثقافة الهزيمة وإعلاء راية الإيمان بأن الحق لا يضيع فرضٌ وواجبٌ مقدس على كل فرد حر ، كريم وشريف .





























