الصحوة – شيماء المعولية
في زمنٍ تتسارع فيه الخطى نحو الوعي، وتُضاء فيه دروب الحياة بنور العلم والمعرفة، بات الإنسان أكثر إدراكًا بأنّ الوقاية ليست خيارًا ترفيًّا، بل ضرورة تُبنى عليها أركان الاستقرار، ومن بين تلك الضرورات التي باتت تحتلّ مكانةً رفيعة في حياة الفرد والمجتمع، الفحص الطبي قبل الزواج؛ بوصفه بوابةً نحو زواجٍ سليمٍ، وأُسرةٍ خالية من الأوجاع الوراثية والأمراض المعدية.
في كل بداية حياة زوجية يزهر الحلم وتتفتح آمال المستقبل، وبين دفء المشاعر ونبض العاطفة تكمن مسؤولية عظيمة تجاه النفس والآخر، والفحص الطبي قبل الزواج هو المفتاح الذي يحرس هذه المسؤولية، ليس عائقًا بل حماية، ليس حكمًا بالمنع بل وعدًا بالأمان. ومع إعلان سلطنة عُمان بدء تطبيق الفحص الإلزامي عام 2026، يكون الوطن قد اختار الحياة والصحة والوعي، لا مصادرة القرار، بل حماية القلوب من الانكسار.
لم تكن عُمان وحدها من أدركت أهمية هذه الخطوة، فجميع دول الخليج العربي سبقتها بتطبيق الفحص الطبي الإلزامي قبل الزواج، بعد أن أثبتت التجارب فعاليته في الحد من الأمراض الوراثية والمعدية، فالإنسان أثمن ما تملكه الأوطان، وأصبح الفحص بوابة عبور لا بد منها لكل مشروع زواج، يضمن سلامة الجسد ويمهد لمستقبل صحي مستقر.
ورغم أن الفحص ظل اختياريًا في عُمان طوال السنوات الماضية، إلا أن الوعي الشعبي ازداد، وارتفع عدد المقبلين على الفحص في مؤسسات وزارة الصحة بشكل ملحوظ، حتى بلغ 14,456 شخصًا في عام 2024، وهذا الرقم يعكس اقتناع الناس العميق بقيمته، وفهمهم أن الزواج لا يقوم على المشاعر وحدها، بل على سلامة الجسد أيضًا، لأن الوقاية خير من العلاج.
ليس الفحص الطبي إجراءً جامدًا لا روح فيه، بل هو صوت الحكمة ينادي المحبين: “تريثوا لحظة، فالحبّ وحده لا يكفي.” هو لمسة وفاءٍ للغد، وحرصٌ على الأطفال قبل أن يولدوا، وضمير حي لا يرضى أن يُغامر بمستقبل من لم يُخلق بعد. يظل الزواج قرارًا حرًا، واختيارًا شخصيًا، لكن هذا الاختيار لا يعفي من الواجب الأخلاقي تجاه النفس والآخر، فحين يُقبل الشاب والفتاة على الارتباط، لا بد أن يُدركا أنّ الحبّ ليس فقط مشاعر تتوهّج، بل هو أيضًا التزام وعقل يتدبّر العواقب. الفحص لا يُجبر أحدًا على التراجع، بل يمنح كل طرف حرية الاختيار، مبنيّة على العلم لا الجهل، وعلى الحقائق لا الأوهام.
بعد إجراء الفحص الإلزامي، تأتي الخطوة الأهم، وهي المشورة الطبية، حيث تُعرض نتائج التحاليل على الطرفين بشفافية، ويُشرح لكل منهما حالته العلمية بدقة، وفي لحظة مفصلية بين الحلم والواقع، يقف المقبلان على الزواج أمام مرآة الحقيقة، يحملان أوراقًا صامتة، لكنها تقول الكثير، بين سطورها تسكن تفاصيل دقيقة، مؤشرات دم، طراز جيني، نتائج فحص فيروس نقص المناعة، والتهاب الكبد، وأخرى قد تبدو للوهلة الأولى طبية بحتة، لكنها في الحقيقة انعكاس لواقعٍ صحي لا يُمكن تجاهله، هذه الورقة ليست مجرد نتائج، بل هي ترجمة علمية لنبضات الغد، تقول: “أنتم على الطريق، لكن الطريق لا يخلو من علامات تنبيه”، من خلالها يتعرف كل طرف على ما قد لا يُرى بالعين، وما لا تُدركه المشاعر وحدها، بل يستدعي بصيرة وقرارًا يُبنى على نور، ويُمنحان حرية القرار، فالزواج لا يُمنع بالقوة، لكنه يُنصح بالعقل، ويبقى الاختيار النهائي مبنيًا على المعلومة لا العاطفة فقط، لأن الحكمة في القرار تُبعد الألم وتفتح آفاق الأمل.
وعندما يُطرح السؤال: كيف نختار القرار الصائب؟ يكون الجواب بسيطًا وواضحًا: إذا كان أحد الطرفين سليماً فإن الزواج يكون آمنًا، بغض النظر عن حالة الطرف الآخر، سواء كان حاملًا للمرض أو مصابًا، هذه القاعدة الذهبية تحمي الحب وتمنحه فرصة للنمو، دون أن تكون عائقًا يحول دون إتمام الارتباط، بل تؤمن مستقبلًا مشرقًا يخلو من المخاطر الصحية.
اليوم لم يعد الفحص مقتصرًا على الأمراض الوراثية فقط، بل توسع ليشمل الأمراض المعدية مثل التهاب الكبد الوبائي ونقص المناعة المكتسبة، وذلك لتعظيم الفائدة وحماية كل طرف من الآخر، فالزواج التزام قبل أن يكون انسجامًا، وصحة الطرفين هي الركيزة التي لا تُستغنى عنها، لأن الحياة التي نختارها تستحق أن تبنى على أسس سليمة.
تشير الأرقام إلى أن هذا القرار هو طريق السلامة، فقد انخفضت نسبة الإصابة بالثلاسيميا في تركيا بنسبة 80%، وفي البحرين 60%، وفي إيران 70%، وفي لبنان 75%، كما تراجعت حالات الزواج غير الآمن في السعودية بنسبة 60%، وهذه تجارب واقعية تثبت أن الفحص الإلزامي ليس عبئًا بل إنقاذًا، ليس تدخلاً في الحياة الخاصة بل حماية للمستقبل.
ما أعظم أن يُبنى الزواج على أسس من الصراحة، والوعي، والرغبة في حياة خالية من الآلام، وما أكرم أن نقي أبناءنا من أن يكونوا ضحايا غفلة أو تهاون. الفحص قبل الزواج لا يُقلل من الحب، بل يرفعه درجة، لأنه يُضيف إليه بعدًا إنسانيًا نبيلاً؛ بعد التفكير في الآخر، وفي المستقبل، وفي كل من تلامسهم آثار هذا القرار المصيري.
في النهاية، يظل الفحص قبل الزواج لحظة وعي كبيرة، لا تُناقض الحب بل تصونه، لا تُعطل الزواج بل تؤسّس له، وكم من زواجٍ آمن بدأ من قرار حكيم، وكم من طفلٍ سليمٍ وُلد لأن والديه احترما الحقيقة قبل الحلم، فالوعي هو البداية، والحياة السعيدة تستحق أن تبدأ بخطوة ذكية ومسؤولة.
إن إلزامية الفحص قبل الزواج لا تُقيّد حرية الناس، بل تُحررهم من الجهل والأخطار المحتملة، ويبقى قرار الزواج اختيارًا، لكنّه خيارٌ لا بد أن يمرّ عبر بوابة الفحص، لأن من يحب بحق، لا يرضى أن يكون حبه سببًا في ألم أو معاناة. فليكن الفحص قبل الزواج عهدًا على الوعي، ومسؤوليةً نكتبها بأيدينا على صفحات المستقبل.


























