حصريٌّ لـ«الصحوة» – بين أودية سمائل العتيقة وسفوح «شرجة الإبراهيمية»، يقف مبنى حجري صامت، يروي قصة حلمٍ كبير راود أحد أبرز المصلحين العرب في القرن العشرين؛ إنّه «بيت الباروني» أو ما اشتهر باسم «المدرسة البارونية».
ومع الذكرى السابعة والتسعين لوضع حجر أساسها في 28 أغسطس 1928م، يعود الحديث عن هذه المحطة التي مثّلت إحدى أولى المبادرات الجادّة لإدخال التعليم النظامي إلى الداخل العُماني، في زمنٍ كان المجتمع لا يزال متردّدًا تجاه هذا النمط من المدارس.
مشروعٌ وُلد من رؤية إصلاحية
جاء سليمان باشا الباروني، الزعيم الليبي المجاهد والسياسي المصلح، إلى عُمان عام 1924م بعد رحلة طويلة بين المغرب العربي والحجاز والهند. وجد في سمائل بيئةً حاضنة لأفكاره، وتعاون مع الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، الذي منح المشروع تأييدًا وتشجيعًا.
رأى الباروني أن بناء مدرسة حديثة في الداخل العُماني ضرورة لإعداد جيلٍ مسلّح بالعلم والمعرفة، فأطلق مبادرة «المدرسة البارونية» بدعم مالي من أعيان عُمان في زنجبار، مع تجهيز مكتبة مدرسية وشراء مناهج وخرائط وكتب من بغداد.
عمارة من الصاروج والحجر
اختار الباروني سفح «شرجة الإبراهيمية» مقرًّا للمبنى. شُيّد الطابق الأول عام 1928م من الحجارة المحلية المرصوصة والـ«صاروج» العُماني، على أن يتبعه طابق ثانٍ لم يكتمل بسبب تعثّر المشروع. وشارك الأهالي في بنائه بحماس، فاقتطعوا من نخيلهم وجهّزوا «المهَبّة» لإنتاج الصاروج، وجلبوا الحجارة من المقالع. كان المشروع بالنسبة لهم حدثًا غير مسبوق: مبنى مهيأ للتعليم، ومكتبة ملحقة، وسقف مرتفع يستوعب فصولاً دراسية ومرافق خدمية.
بين الحلم والواقع
على الرغم من اكتمال البناء، واجهت التجربة تحديات اجتماعية وفكرية. فقد تحفّظت بعض الأصوات على فكرة «المدرسة النظامية»، واعتبرتها غريبة عن البيئة التقليدية. وهكذا، لم يُكتب للمدرسة أن تبدأ عملها كما أراد الباروني، لتظل جدرانها شاهدة على صراع مبكر بين التمسّك بالقديم والانفتاح على الجديد.
رحل الباروني عام 1940م تاركًا خلفه هذا الإرث الذي لم يكتمل، لكنه فتح الباب أمام تحولاتٍ كبرى ستشهدها عُمان بعد عقود.
بيتٌ يتحوّل إلى مدرسة من جديد
ظل المبنى يُعرف باسم «بيت الباروني» بعد أن آل إلى مالكيه الجدد. ومع بدايات «النهضة المباركة» في السبعينيات، أعاد الشيخ سعود بن علي الخليلي إحياء المكان بتحويله إلى مقرٍّ لأول مدرسة نظامية في سمائل، قبل أن تُنشأ المدارس الحكومية الحديثة. وهكذا عاد البيت إلى الحياة التعليمية، مؤكدًا أن الفكرة التي حملها الباروني لم تمت.
رمزية خالدة
اليوم، لم يعد «بيت الباروني» مدرسة، لكنه باقٍ في ذاكرة سمائل ومعاجم التاريخ العُماني كرمزٍ لمحاولة إصلاحية رائدة. لقد كان المشروع بمثابة «جسر» مبكر ربط الداخل العُماني بالمناهج والكتب القادمة من بغداد وزنجبار، ومقدمة لنهضة تعليمية ستنطلق بقوة بعد نصف قرن.
إنّه شاهدٌ على أن الأحلام قد تتعثّر، لكنها لا تموت.. فقد يزهر بعضها بعد عقود، كما أزهر حلم الباروني حين عادت جدرانه لتحتضن الطلبة من جديد في سبعينيات القرن الماضي.
ولم يكن انتقال «بيت الباروني» إلى ملكية الشيخ سعود بن علي الخليلي حدثًا عابرًا، بل كان امتدادًا طبيعيًا لمسيرة رجلٍ آمن بالتعليم ونهض به في زمن البدايات. ففي حضرة أول وزير للتربية والتعليم في عهد النهضة، استعاد البيت رسالته، ولو في صمت، وكأنّ أحجار جدرانه وجدت من يحفظ لها مكانتها بين معالم التاريخ العُماني.
ولعل الزيارة السامية التي قام بها السلطان قابوس بن سعيد ـ طيّب الله ثراه ـ إلى هذا البيت عام 1999م، مثّلت ذروة رمزيته؛ فهي لحظة التقاء بين حلم الإصلاح في عشرينيات القرن الماضي ورؤية النهضة المباركة. وهكذا، بقي «بيت الباروني» شاهدًا على أن الأفكار الكبيرة قد تُهاجر بين الأزمنة، لكنها لا تفقد معناها ولا بريقها.





























