الصحوة – مروان الشيذاني
لا يخفى اليوم عن العالم أجمع أخلاق العُمانيين التي أضحت مثالًا يحتذى به وحديثًا لكل زائر لهذا البلد الكريم. وكم من المرات التي استمعنا فيها إلى كلمات المدح والثناء للعُمانيين على حسن الضيافة والإقامة، وهذا مصداقًا لقول الرسول الكريم محمد -ﷺ-: “لو أنَّ أهل عُمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك”. وقد توالت على عُمان وأهلها العديد من التحديات التي أثبت العُماني فيها تمسكه بتعاليم دينه الحنيف والعادات والتقاليد التي تربى عليها؛ ولعل أبرز هذه الأحداث الاحتلال البرتغالي للسواحل العُمانية لأكثر من ١٤٠ سنة وبالرغم من ذلك لم يستطع تغيير شيء من سمات العُماني المتأصلة فيه. ولعمري أنه لاعتزازٌ لكل حاملٍ للهوية العُمانية الأصيلة على هذا الثناء النبوي والأخلاق النبيلة المتجذرة فيه.
ومع التطور التقني الذي يشهده العالم اليوم وامتزاج الثقافات عبر شبكات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي التي حولت العالم إلى قرية صغيرة، كان لابد من ترسيخ القيم والمبادئ للنشء الكريم من أطفالنا الذين أصبحوا أكثر عرضة للتأثر بثقافات الغرب التي تهدف إلى زعزعة أركان الأسرة، وتدمير المبادئ والقيم الإسلامية التي تربينا عليها وحثنا الحبيب المصطفى ﷺ– باتباعها. ولعل السبب الرئيس لتشوّه العادات التي تربينا عليها هو مواقع التواصل الاجتماعي التي تبث سمومها من “شذوذ” و”نسوية” و”تحول جنسي” في عقول صغارنا عبر مختلف البرامج والرسومات المتحركة. ومن أخطرها المقاطع القصيرة التي انتهجتها العديد من البرامج مثل “تيك توك” و”إنستجرام” وغيرها، والتي تسبب حالة من الإدمان وتشوش الفكر لدى مشاهديها حتى غدت محطات قلق لأولياء الأمور المربين. فكم من الأمثلة لدينا لتأثر الكبير قبل الصغير من تلك المحتويات التي تبَُثُّ على مدار اليوم.
وقد أثبتت العديد من الدراسات العلمية ذلك، من بينها دراسة “الإدمان على مشاهدة المقاطع القصيرة وتأثيره على التركيز والانتباه: دراسة علمية” التي نشرت في مجلة “”Behaviour & Information Technology، حيث أكدت أن الإدمان على مشاهدة المقاطع القصيرة يؤثر بشكل كبير على قدرة المستخدمين على التركيز ويؤدي إلى تراجع الانتباه. وأوضحت الدراسة أن هذه المقاطع تعتمد على خوارزميات تحفّز إفراز الدوبامين في الدماغ، مما يجعل المشاهدين عالقين في دوامة من التمرير المستمر بحثًا عن محتوى جديد. كما أن الاستخدام المفرط لهذه المقاطع يعزز الميل إلى الإشباع الفوري، مما يؤثر على سلوك الأفراد في حياتهم اليومية، ويفقدهم الصبر والتوازن في استهلاك المعلومات. وهذا ما يجعل هذه الظاهرة خطرًا يهدد القيم والتقاليد العُمانية الأصيلة؛ حيث تُضعف هذه المنصات قدرة الأجيال الجديدة على التفكير العميق والتمسك بموروثاتهم الثقافية والاجتماعية؛ بسبب تعرّضهم للكثير من المقاطع التي تستعرض محتويات خادشة للحياء ومزعزعة للقيم والأخلاق.
لفهم حجم المشكلة التي يعاني منها العالم، تم إدراج مصطلح “تعفّن الدماغ” (Brain Rot) في “قاموس جامعة أكسفورد” لعام 2024م، والذي عرّفَتهُ الجامعة “بتدهور الحالة العقلية أو الفكرية للشخص، خاصة نتيجة الإفراط في استهلاك محتوى تافه أو غير مُحفز، مثل المحتوى الرقمي عبر الإنترنت”. يؤثر “تعفّن الدماغ” سلبًا على الأخلاق والقيم الاجتماعية؛ حيث يؤدي الإفراط في استهلاك المحتوى السطحي إلى تراجع القدرات العقلية، بما في ذلك التفكير التحليلي والإبداع. كما يرتبط بزيادة معدلات القلق والاكتئاب نتيجة المشتتات الرقمية والشعور بعدم الرضا عن الذات. هذا التدهور في القدرات العقلية والنفسية يؤدي إلى ضعف الالتزام بالقيم الأخلاقية والتقاليد الثقافية، مما يشكل تهديدًا للهوية الثقافية للمجتمعات فقد أثبتت دراسة ” تأثير صناعة المحتوى الرقمي لمشاهير السوشيال ميديا على القيم المجتمعية: دراسة تطبيقية على عينة من طلبة الجامعة بدولة الإمارات العربية المتحدة – أبوظبي” أن الاستخدام المفرط للإنترنت يؤثر على القيم الأخلاقية والاجتماعية؛ حيث أظهرت النتائج أن الاستخدام المفرط للإنترنت يمكن أن يؤدي إلى تدهور في هذه القيم، خاصة عند التعرض المستمر للمحتوى غير الهادف.
من الأمثلة التي تثبت تأثرنا بالمحتوى الغربي هو استبدال تحية الإسلام بكلمات غربية مثل “هاي”، “هلا” وأيضًا تقليد بعض الرقصات التي تظهر في الألعاب والمقاطع القصيرة التي تقنّع بقناع “الترند” لتنتشر بين فلذات أكبادنا وتسيطر على عقولهم المنيرة، وغيرها الكثير، ولا أقول أن جميع المحتويات مضرة، فاليوم لا يمكن أن نعيش دون هذه البرامج التي سهلت علينا الحياة، ولكن هناك مشكلة حقيقة لابد من التصدي لها؛ لتثبيت قيمنا و أخلاقنا. فالعالم العربي الإسلامي هو الذي يتعرض لهذه المقاطع بهدف إخلال المنظومة الأخلاقية التي نسير عليها. تشير الدراسات إلى أن التعرض المكثف للمحتوى الغربي عبر وسائل الإعلام الرقمية قد يؤثر على القيم والأخلاق في المجتمعات العربية. في دراسة بعنوان “تأثيرات وسائل الإعلام الجديدة على القيم الثقافية في العالم العربي: إطار تحليلي نقدي”. أشارت إلى أن هذه الوسائل تسهم في نشر قيم وسلوكيات غربية تتعارض مع القيم العربية التقليدية. وللأسف الكثير ممن تأثر بالحياة الغربية اقتنع بأن الغرب هم من يعيشون الحياة المثالية، وإننا نعيش -نحن المسلمون- في التخلف والرجعية. وكأنهم لا يعلمون عن خير قدوتنا خير البشر-ﷺ-. فقد قال الشيخ مصطفى المنفلوطي –رحمه الله- في كتابه “النظرات”: “لا حاجة لنا بتاريخ فلاسفة اليونان وحكماء الرومان وعلماء الإفرنج، فلدينا في تاريخنا حياة شريفة مملوءة بالجد والعمل، والبر والثبات والحب والرحمة، والحكمة والسياسة، والشرف الحقيقي، والإنسانية الكاملة، وهي حياة نبينا محمد -ﷺ-، وحسبنا بها وكفى”.
ومن أبرز الحلول التي تسهم في تحقيق ذلك ما يلي : تربية الأبناء بعيدًا عن مواقع التواصل الاجتماعي وتوجيههم إلى الطريق القويم عبر تأصيل الأخلاق النبوية وزرع العقيدة الصحيحة في نفوس أطفالنا، وكما قال مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه-: “تربية الأبناء لا تتم عبر شبكات التواصل، تربية الأبناء هي جزء من أصل المجتمع العُماني، عندما يتشرّب أبناؤنا بعاداتنا وتقاليدنا، والتمسك بالأسرة والمجتمع هي تكون سبيل نجاح المجتمع. طبعًا التقنية أصلها خدمة البشرية، لكن للأسف استُغلّت بطريقة سلبية جدًا، وأثّرت على النشء ليس في بلدنا فحسب، فكل أنحاء العالم يُعاني منها، لكن علينا أن نحافظ على إرثنا وترابطنا الأسري في تربية أبنائنا وبناتنا التربية الصالحة؛ فبناء الأوطان من بناء الشباب “. لذا ينبغي علينا الحفاظ على القيم العُمانية الأصيلة وتعاليم الإسلام في نفوس الأجيال الجديدة وذلك يتطلب جهودًا متكاملة من مختلف مؤسسات المجتمع، بدءًا من الأسرة، مرورًا بالمساجد والمراكز التربوية، وصولًا إلى البيئة التعليمية والإعلامية. فالتحديات التي تواجه الأطفال اليوم في ظل الانفتاح الرقمي وتأثير المحتويات الإعلامية، تستوجب تبني إستراتيجيات تعزز ارتباطهم بهويتهم العُمانية والإسلامية، وتغرس فيهم الأخلاق الرفيعة التي دعا إليها النبي الكريم -ﷺ-، والتي تعد أساسًا في بناء مجتمعات قوية ومتماسكة. ومن أهم المؤسسات التي يمكنها حماية أطفالنا من الانحراف الثقافي:
أولًا: تؤدي الأسرة الدور الأساسي في غرس القيم والأعراف العُمانية الأصيلة في نفوس الأطفال، فهي المدرسة الأولى التي يتلقى فيها الطفل تعاليم الدين وأخلاقيات المجتمع. وقد أكد سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي – حفظه الله – هذا الدور حين قال: “إذا كان مما يتردد على الألسنة أن المرأة نصف المجتمع، فإني أقول وأؤكد بأن المرأة هي المجتمع كله، فبقدر ما تكون عليه من عفة وطهارة ونزاهة يرجى للمجتمع أن يسعد بجيل في المستقبل يتصف بهذا كله، فإن المرأة هي صانعة الأجيال”. فالأم -بحكم قربها من الأبناء- هي المؤثر الأول في بناء أخلاقهم وشخصياتهم، وهو ما أشار إليه الشاعر حافظ إبراهيم بقوله:
الأم مدرسةٌ إذا أعددتها أعددت شعبًا طيّب الأعراقِ
لذا، من الضروري أن تكون الأسرة واعية بضرورة تقديم القدوة الحسنة للأطفال، وتعليمهم القيم الإسلامية كالصدق والأمانة والاحترام، إلى جانب الحفاظ على العادات العُمانية الأصيلة التي تعزز الترابط الأسري والتكافل الاجتماعي. ويمكن تحقيق ذلك من خلال الحوار الأسري، وتعزيز الهوية العُمانية عبر القصص والتقاليد العائلية، إضافة إلى مراقبة المحتوى الذي يتعرض له الأطفال عبر وسائل الإعلام لضمان توافقه مع المبادئ الإسلامية والتربوية السليمة.
ثانيًا: يأتي دور المساجد والمراكز الصيفية التي تسهم في تنشئة الأطفال والشباب على السمت العُماني الأصيل. وتعد المراكز الصيفية مثل “فتية” نموذجًا عمليًا في هذا المجال، حيث تقدم للأطفال برامج متكاملة تجمع بين التربية الإسلامية، وتعليمهم القيم العُمانية كالأدب، والاحترام، وتعزيز روح الجماعة. كما أن ارتباط الأطفال بالمساجد منذ الصغر يعزز في نفوسهم حب العبادة، والاستقامة، ويمنحهم حصانة أخلاقية ضد التيارات الفكرية الوافدة التي تضعف هويتهم الدينية والثقافية. هذه المؤسسات لا تقتصر على تعليم القرآن فقط، بل تُعزز بناء الشخصية العُمانية المتزنة، القادرة على مواجهة تحديات العصر مع التمسك بأخلاق الإسلام وقيم المجتمع العُماني الراسخة.
ثالثًا: في ظل التأثير الواسع لوسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال والشباب، أصبح من الضروري تعزيز حضور القدوات الحسنة التي تعكس القيم العُمانية الأصيلة والأخلاق الإسلامية الرفيعة. فبدلًا من ترك الساحة مفتوحة لمؤثرين ينشرون محتوىً هابطًا أو يتعارض مع الهوية والقيم الدينية، ينبغي التركيز على إبراز شخصيات عُمانية ملهمة من العلماء، والمربين، ورواد الأعمال، والمبدعين في مختلف المجالات، ممن يكونون نموذجًا يُحتذى به للأجيال الجديدة. يجب أن تتبنى المؤسسات الإعلامية نهجًا يركز على تقديم محتوى إيجابي يعزز الانتماء والاعتزاز بالهوية العُمانية، عبر إنتاج برامج وثائقية، ومقابلات، ومحتويات قصيرة تعرض قصص نجاح عُمانيين متميزين في مختلف المجالات، والإفادة من المنصات الرقمية الحديثة لإيصال رسائل توعوية بأساليب جذابة تتناسب مع اهتمامات الأطفال والشباب. فتقديم القدوات الصالحة بشكل مكثف ومستمر من خلال الإعلام يساعد في بناء شخصية الأطفال والمراهقين، ويغرس فيهم الطموح للنجاح مع الحفاظ على هويتهم العُمانية والإسلامية، مما يحميهم من التأثر السلبي بالمحتويات غير الهادفة أو المضللة.
وفي الختام، إن القيم العُمانية الأصيلة والأخلاق الإسلامية الراسخة ليست مجرد إرث ثقافي، بل هي هوية متجذرة في وجدان المجتمع العُماني، وهي الحصن الحصين الذي يحمي الأجيال القادمة من التأثيرات السلبية للعولمة والانفتاح الرقمي غير المنضبط. إن الحفاظ على هذه القيم يستوجب منا جميعًا – أفرادًا ومؤسسات – أن نتحمل مسؤوليتنا في توجيه النشء نحو السلوك القويم، عبر تعزيز دور الأسرة، وتنمية دور المساجد والمراكز التربوية، وترسيخ القدوات الحسنة في وسائل الإعلام. فإن الأمة التي تتمسك بمبادئها هي الأمة التي تبقى شامخة رغم التحديات، وكما أثبت العُمانيون عبر التاريخ أنهم صامدون أمام المحن، فإني على ثقة بأننا سنكون خط الدفاع الأول أمام محاولات زعزعة أخلاقنا وقيمنا. فعلينا أن نعمل جاهدين على غرس الفخر بالهوية العُمانية وتعاليم الإسلام في نفوس أبنائنا، وتوجيههم نحو بناء مستقبل مشرق يرتكز على أصالة الماضي وحداثة الحاضر، ليظل العُماني مثالًا يُحتذى به في الأخلاق والاعتزاز بقيمه وثوابته كما عُهِد.




























