الصحوة : علي الحداد
في قاعة الأمم المتحدة بنيويورك، حيث تتعالى أصوات الوفود وتتشابك النداءات، ارتفع صوت سلطنة عُمان هادئًا وواثقًا، كنسمة من عمق الصحراء محمّلة بصدق البدايات ورحابة الأفق. لم يكن الخطاب مجرد كلمات تُلقى في محفل عالمي، بل رسالة سلام تنبض بروح حضارة ضاربة في الجذور، تؤمن أن العدل هو النبع الأول الذي تتفجر منه ينابيع الأمن والتنمية.
معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، أطل على العالم من منصة الجمعية العامة ارتجاليًا، في كلمة سلطنة عُمان أمام الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٥م، ليؤكد أن الأزمات مهما تعاظمت لا تستطيع أن تطفئ نور الأمل، وأن درب الإنصاف أطول من دروب القوة، لكنه الأصدق والأبقى.
أفصح بجرأة معالي السيد الوزير في تسمية الجرح المفتوح .. القضية الفلسطينية. تحدث بلهجة مشحونة بالصدق، كمن يسرد وجعًا عمره عقود. وأكد أن وقت الإنصاف قد حان، وأن إنهاء الاحتلال ورفع الظلم ليس مطلبًا سياسيًا فحسب، بل واجب إنساني يعيد للضمير العالمي شيئًا من طهارته المفقودة.
كانت فلسطين في الكلمة العُمانية أمّ الأولويات، تُقدَّم لا كقضية شعب فحسب، بل كميزان يُختبر به صدق العدالة الدولية. ومن محراب الأمم دعا معالي السيد الوزير إلى حملة سلمية عالمية ترفع الحصار عن الشعب الفلسطيني وتمكّنه من إقامة دولته المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية.
وبين فلسطين وسائر القضايا، امتد صوت عُمان كقوس قزح يعانق السماء.
أكد معالي السيد الوزير بدر وقوف السلطنة إلى جانب قطر الشقيقة في وجه العدوان، وجدد رفضه للاعتداءات الإسرائيلية على إيران واليمن وسوريا ولبنان. لم يكن الحديث دبلوماسيًا جافًا، بل أقرب إلى التزام راسخ بصون سيادة الدول ورفض أي تعدٍّ على الأوطان.
لقد ذكّرت عُمان العالم بأن الحدود ليست مجرد خطوط على الخريطة، بل قدسية تُصان، وأن العدوان على أي أرض هو عدوان على الكرامة الإنسانية جمعاء.
ورغم سخونة القضايا السياسية، حمل الخطاب العُماني وجهًا آخر .. التنمية التي لا تنفصل عن السلم. تحدث معالي السيد الوزير عن التعليم والصحة كحقوق مقدسة، وعن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي كلغة جديدة لبناء المستقبل، وعن الشباب كقوة نابضة قادرة على حمل شعلة النماء.
كان حديثه عن التنمية كأنه ينثر بذور أمل في صحراء الأزمات، مؤكدًا أن العالم، رغم اضطرابه، ما زال يملك فرصة لصياغة غدٍ أكثر عدلاً وازدهارًا.
وسط ضجيج الأمم وصخب المصالح، جاءت كلمات عُمان كالجدول الرقراق، لا يعلو صوته لكنه يشق طريقه بثبات.
وأشار معالي السيد الوزير إلى أن عجز المجتمع الدولي اليوم ليس نهاية الحكاية، بل فرصة لإعادة صياغة قواعد العمل المشترك على أسس من العدل والإنصاف والتسامح.
إنها عُمان، حين تتحدث لا تُكثر من الصخب، لكنها تختصر ببساطة شاعرية وحكمة دبلوماسية ما تعجز عنه الخطب المطوّلة:
فالسلام العادل ليس شعارًا يُرفع في المؤتمرات، بل هو نبض الحياة الذي بدونه تجفّ ينابيع الأمن ويذبل ربيع التنمية.
وقد جاء ختام الخطاب بدعوة صريحة لتعزيز دور الأمم المتحدة ومؤسساتها في نشر مظلة التنمية المستدامة، وترسيخ ثقافة العدل والتسامح والاحترام المتبادل. إنها دعوة تنسجم مع نهج السياسة الخارجية العُمانية، ذلك النهج الذي تميّز لعقود بـ”دبلوماسية التوازن والإنصاف“.
وهكذا تؤكد السلطنة مجددًا أنها ما زالت تمثل ضميرًا حيًا في عالم يموج بالتوترات، وأن صوتها الهادئ يظل بوصلة للحكمة، يقود نحو مستقبل أكثر عدلاً وسلامًا .


























