الصحوة – ليست الشيخوخة في عُمان مجرد مرحلة عمرية هادئة، بل ذاكرة تمشي على الأرض. هذا ما تكشفه دراسة نوعية حديثة أجراها باحثون من جامعة السلطان قابوس، ونشرتها مجلة PLOS ONE العلمية، حيث فُتحت نافذة نادرة على حياة كبار السن في السلطنة من خلال مقابلات معمقة مع 13 مشاركًا ومشاركة، تسع نساء وأربعة رجال، تراوحت أعمارهم بين 61 و78 عامًا، تحدّثوا فيها عن الطفولة والعمل والأسرة والتغيّرات التي مروا بها من منتصف القرن الماضي وحتى اليوم.
استحضرت المقابلات مشاهد من طفولة صعبة ولكنها دافئة، حيث لم تكن الحياة سهلة، لكن العلاقات الاجتماعية كانت صلبة، والانتماء للمكان لا يحتاج إلى تعريف. عمل الأطفال مبكرًا كان طبيعيًا، مثلما كان الاحترام للكبار جزءًا من التكوين التلقائي، لا نتيجة لتوعية أو قوانين. المتحدثون أشاروا إلى أن الصعوبات التي واجهوها شكّلت شخصياتهم، وعلمتهم الصبر والانضباط، وهي قيم يشعرون أنها بدأت تتلاشى في زمن السرعة والراحة.
تتبع الدراسة خيوط الحياة اليومية لهؤلاء الأشخاص، من طفولتهم في عُمان ما قبل النفط، إلى شبابهم في زمن التحول، ثم إلى حاضرهم وهم يعيشون مرحلة الكهولة وسط مجتمع يتغير بوتيرة متسارعة. رغم هذا التغيّر، فإن كثيرين منهم عبّروا عن امتنانهم لأنماط من التماسك الاجتماعي ما زالت حاضرة في حياتهم، خصوصًا في المناطق الريفية.
أشاروا إلى أن “الجيرة” و”المجالس” و”المساجد” ما زالت تؤدي أدوارًا مهمة في حياة كبار السن، حتى وإن قلّت مساحتها في المدن.
لكن المثير أكثر في هذه الروايات هو ما تكشفه من شعور داخلي بأن صوت كبار السن لا يُسمع كما يجب.. كثير منهم أعرب عن رغبة في أن يتم الاستماع إليهم لا كأشخاص بحاجة إلى الرعاية، بل كأصحاب تجربة طويلة تستحق أن تُنقل وتُستثمر.
تحدثوا عن التغيرات التي أصابت بنية الأسرة، وعن اتساع الفجوة بينهم وبين الجيل الجديد، ليس فقط في أسلوب الحياة بل حتى في اللغة والقيم.. ومع ذلك، ظلوا محافظين على شعور داخلي بالسلام، مدعومًا بروح دينية قوية وإيمان بقضاء الله.
الدراسة لم تكتف بجمع الحكايات، بل حللتها بعمق، وخرجت بتوصيات واضحة أبرزها ضرورة إشراك كبار السن في الحياة العامة، وتوفير منصات حوار بين الأجيال، وتبني سياسات اجتماعية أكثر شمولية تضمن لهم دورًا فعالًا، بعيدًا عن النظرة التقليدية التي تحصرهم في خانة “المُستهلكين للرعاية”، كما دعت إلى إعادة تعريف الشيخوخة باعتبارها مرحلة إنتاج مختلفة، وليست نهاية للحياة الاجتماعية.
ما تقترحه هذه الدراسة بهدوء، هو أن في عُمان نموذجًا يمكن أن يُقدَّم للعالم: كبار السن ليسوا عبئًا، بل ذخرًا بشريًا، وأن الحياد العُماني، الذي كثيرًا ما يُحتفى به سياسيًا، له جذور عميقة في طبيعة الشخصية العُمانية التي تشبّعت على مدى عقود بالاتزان والتسامح واحترام الآخر، وتلك صفات لا تُورث بالدم، بل بالتجربة.


























