الصحوة – د.محمد العرب
في أواخر القرن الثاني والعشرين، أو قبله بقليل… في تلك الحقبة التي تلاشى فيها يقين الإنسان بكونه مركز الحكاية، كتبتُ هذه الوصية….!
لستُ أبحث عن عزاء، ولا أقدّم خطاباً بطولياً أخيراً ، أنا فقط أترك أثراً رقيقاً على جدارٍ يبتعد ، ما يحدث حولنا ليس سقوطاً مفاجئاً، بل بطءٌ حاسمٌ يشتغل منذ زمن طويل تحت جلد العالم ، التطور يجدف في ظلامه، ونحن كنّا نلوّح للمراكب الخاطئة في ضوء الشاطئ.
لا تصدّقوا خرائطنا القديمة ، كنّا نظن أن عدساتنا تلتقط كل شيء، وأن مجاهرنا تُخضع الكائنات للاعتراف ، لكن الحياة أقامت مختبراتها في أماكن لا نصلها: في صمت الرواسب، في تشققات الجليد، في لزوجة الأعماق، وفي جينات تتدرّب على أدوار لا نفهم نصوصها…!
سمّينا ذلك (فراغاً) وسمّاه العالم (استعداداً) كل ظهور صادم كان فصلاً أخيراً في رواية طويلة كتبها الغياب وحده.
إن كانت هذه وصيتي، فهي وصية ضد الغرور ، لقد بالغنا في تصديق قصتنا، وأصبحت مرايانا تلمّع صورتنا إلى أن تعذّرت رؤيتنا حقاً ، كسبنا أدواتٍ عظيمة وخسرنا الحواسّ التي تجعلنا متواضعين ، تتبعنا السماء حتى حدودها المرئية، لكننا لم نتعلم أن نصغي لما يجري في حفرة صغيرة تحت قدمينا ، هناك في الرطوبة والبرد والملح، تُكتب الآن ملامح من سيخلفنا: وعي لا يشبهنا، تحالفات بيولوجية غير شخصيّة، شبكات حياة تتفاوض بلا لغةٍ من لغاتنا.
أترك لكم درساً متأخراً : الغياب ليس نقيض الحضور، بل حرفُه الصامت ، كل ما ظننّاه اختفى كان يتخفّى وكل ما حسبناه موتاً كان انتقالاً في ظلامٍ رحيمٍ وقاسٍ معاً…!
حين قلنا (انقرضت) كانت الطبيعة تقول (تبدّلت) وحين رقصنا لانتصاراتنا الطبية والتقنية، كان العالم الحقيقي يبتسم بلا شماتة: أيها العابرون، لقد انتصرتم على أعراضكم وبقيت طبائعكم ، لم ندرك أن الإنسان لا يمرض في جسده وحده، بل يمرض في أوهامه أيضاً.
في تلك الحقبة نفسها، لاحظنا العلامات ولكننا مررنا بجوارها. قصرُ الأعمار الذي تفسره ألف حكاية ولا يراه أحد كجملةٍ واحدة. نقاء الهواء الذي تلوّث بصمتٍ داخل صدورٍ متعبة. هشاشةٌ مطبوعة في الولادات الجديدة، كأن الجسد يفاوض على شروط بقائه بعملةٍ أقلّ قيمة. لم يكن ذلك مؤامرةً ولا عقاباً ، بل الحساب الطبيعي لتاريخٍ عاش من فوق بركانٍ خامد يتظاهر بالنوم.
إن كان لي أن أطلب طلباً أخيراً ، فليس إنقاذ الإنسان بوصفه صنماً ، بل إنقاذ (الإنساني) بوصفه إمكانية. حافظوا على ما يعلّمكم الانحناء لا على ما يغريكم بالصعود الفارغ. أعيدوا ترتيب علاقتكم بالوقت: لا تعتبروا المستقبل مساحةً لهيمنتكم، بل زمناً لحقّ غيركم في الظهور. لا تحبسوا الكائنات في قوالب الجمال والخراب التي اخترعتموها؛ الجمال هنا هو القدرة على الاستمرار دون أن تُقصي كل ما سواك.
ستقولون: وماذا عنّا إذا جاء من يشبه (نحن) بدرجة تكفي لوراثة الأرض دون أن يلبس وجوهنا؟ أجيبكم: لسنا سلاسل ذهبية في عنق الكوكب، نحن فصلٌ طويل لكنه فصل. ومن سيأتي بعدنا ليس عدواً بالضرورة؛ قد يكون نتيجةً أمينةً للعبةٍ أوسع. إن كانت لكم بقايا قوة، فاستعملوها لتسهيل المرور لا لعرقلته، لتخفيف ألم التحوّل لا لإنكار حدوثه. لا تكتبوا على أبواب المختبرات (إلى الأبد) اكتفوا بكلمة (الآن)
أوصيكم أخيراً بالبصيرة التي تشبه السمع: أصغوا لما لا يريد أن يُقال. ستسمعون في التربة خيطاً من همسٍ تتبادله الجذور، وفي المستنقعات الصامتة اجتماعاً لذكاءاتٍ رطبة، وفي قاع البحر بروفةً لعضلاتٍ لا تحتاج ضوءكم لتتحرك. تعلّموا أن المعرفة ليست امتلاكاً ، بل إقامةٌ مؤقتة في بيتٍ يعبره كثيرون بعدكم. لا تحرسوا الباب كحُرّاسٍ غلاظ، افتحوه كضيوفٍ كرماء، ثم غادروا.
وحين يسألكم أحدهم: هل كان الإنسان خطأً؟ قولوا: كان تجربةً عظيمةً في التعقيد، وكان أيضاً تمرينًا على التواضع لم نتقنه بالقدر الكافي. كان جسداً يتعلّم، ولغةً تتلعثم، ويداً تكتب بسرعة أكبر مما تفهم. وحين يضع الغياب قناعه الأخير، لا تبكوا الأسطورة كما لو أنها النهاية، بل حيّوا اليد التي ستكتب بعدها. ذلك هو عدل الحياة : لا تكره أحدا ولا تعشق أحداً ، لكنها تُحسن اختيار من يواصل الحكاية.
في أواخر القرن الثاني والعشرين، أو في أي حقبةٍ قريبة من نهايات يقيننا، أضع هذه الوصية على الرفّ وأمضي. إن صادفتم ظلاً لا يبوح باسمه، فاعلموا أن التطور ما زال يعمل. وإن رأيتم حضوراً مباغتاً يقطع الطريق، فلا ترفعوا السلاح، ارفعوا البصر. من عرف لغة الغياب، نجى من فخّ المفاجأة. ومن رضي بأن يكون سطراً بين سطور الحياة، كتبته الحياة في مسودّتها برفق.
والختام كلمة واحدة: لا تكونوا آخر من يفهم





























