الصحوة – علي الحداد
في فضاء الخليج العربي، حيث الموج يهمس بحكايات الموانئ القديمة، وحيث النسيم يحمل عبق المروءة والمودّة، تتهادى العلاقة بين سلطنة عُمان ودولة الكويت كأنشودةٍ تتردّد في الوجدان منذ قرون، تنسجها الخُطى الواثقة للقيادتين، وتزهر في قلوب الشعبين اللذين التقيا على ضفاف البحر والتاريخ والمصير المشترك.
نغمة الجذور .. حين كان البحر جسرًا للقلوب
منذ أن كانت السفن الكويتية تشقّ عباب البحر نحو الشرق، كانت الموانئ العُمانية تفتح أذرعها لتكون نقطة انطلاق وموئلًا آمنًا للتجارة والتبادل. هناك، في موانئ مسقط وصُحار وصور ومرباط، وُلدت أولى المرافئ للودّ والوصال، فامتزج الملح بالعهد، والريح بروح التعاون.
ذلك التواصل البحري القديم لم يكن مجرّد تبادلٍ تجاريّ، بل كان نسيجًا اجتماعيًّا وحضاريًّا بين الشعبين، ما زالت خيوطه تمتد حتى اليوم، متينةً كصخرةٍ على شاطئ الخليج، وناعمةً كنسيمٍ يمرّ على نخيل الكويت وأودية عُمان.
قامات اللقاء .. وأصالة الترحيب في رحاب عُمان
وفي مشهدٍ مهيبٍ تجسّد فيه عمق الأخوّة وروابط الودّ الصادق بين القيادتين، كان حضرةُ صاحبِ الجلالةِ السُّلطان هيثم بن طارق المعظّم – حفظهُ اللهُ ورعاهُ – في مقدّمة مستقبلي أخيه صاحبِ السُّمو الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، أمير دولة الكويت الشقيقة – حفظهُ اللهُ ورعاهُ – لدى وصوله إلى المطار السلطاني الخاص، في زيارةٍ أخويّةٍ خاصّةٍ لسلطنة عُمان.
وقد عبّرت هذه اللحظة الرفيعة عن عمق العلاقات التي تربط البلدين، وعن المكانة التي تحظى بها دولة الكويت في وجدان القيادة والشعب العُماني، إذ غمرت أجواء الاستقبال مشاعر الودّ والترحيب التي تليق بمقام الأشقاء.
لقاء القمة .. أخوّةٌ تتجدّد ورؤى تتوحّد
وعقب مراسم الاستقبال، عقد جلالةُ السُّلطان المعظم وأخوه سمو الشيخ أمير دولة الكويت الشقيقة – حفظهما الله ورعاهما – لقاءً أخويًا بقصر البركة العامر، جرى خلاله استعراضُ فرص تعزيز مجالات الشراكة والاستثمار بين البلدين الشقيقين في مختلف القطاعات، وبحثُ عددٍ من الموضوعات والقضايا المشتركة.
كما أكّد القائدان على أهمية فتح مجالات جديدة للتعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، بما يُلبّي تطلّعات الشعبين العُماني والكويتي، ويُسهم في تعزيز مسيرة التنمية والازدهار في البلدين، ويدفع بعلاقات الأخوّة نحو آفاقٍ أرحب من التعاون والتكامل.
نموذج في الدبلوماسية والرؤية المشتركة
ما بين مسقط والكويت، تمتدّ خيوط سياسةٍ متّزنةٍ، ترى في الحوار طريقًا، وفي التفاهم جسرًا، وفي السلم منهجًا ثابتًا. لقد جسّد البلدان معًا روح الدبلوماسية الخليجية الأصيلة، فكانا صوت الحكمة في الإقليم، ودعامة الاستقرار في وجه الأزمات.
في الملفات الإقليمية والدولية، تتشابه الرؤى كما تتشابه القلوب . كلاهما يدعم سيادة الدول واستقلالها، ويؤمن بالقانون الدولي، ويسعى لأن يكون مجلس التعاون الخليجي منارة وحدةٍ وتكامل.
اقتصاد يتنامى .. وشراكة تنمو
ولأن الروابط لا تكتمل إلا بالعمل، فقد تحوّلت العلاقة بين البلدين إلى شراكةٍ اقتصاديةٍ واعدة، تنمو بثباتٍ على أرض الثقة والتفاهم. وتعبّر حركة التبادل التجاري والمشروعات المشتركة بين عُمان والكويت عن عمق هذه الشراكة التي تتقدّم بخطى واثقة نحو آفاقٍ أرحب من التعاون.
وفي المقابل، تتزايد الاستثمارات الكويتية في السلطنة لتشكّل روافد حقيقية لنهضتها الحديثة، في انسجامٍ مع رؤية عُمان 2040 وخطة الكويت 2035، حيث يلتقي الطموح المشترك لبناء اقتصادٍ متنوعٍ ومستدامٍ يرتكز على الابتكار والتكامل الخليجي.
ثقافةٌ تنسج ألوانها بين مسقط والكويت
ولأن الثقافة هي مرآة الشعوب، فقد أزهرت العلاقات الثقافية والفنية بين البلدين منذ توقيع اتفاقية التعاون الثقافي عام 1974.
من معارض الفن التشكيلي إلى أمسيات الشعر والمسرح والموسيقى، ظل الفنانون والأدباء العُمانيون والكويتيون يتحاورون بلغة الجمال والإبداع. ففي فعالية «عُمان في قلب الكويت»، عزفت ريشة الفنانين ونبض الموسيقيين سيمفونيةً من المحبة، جمعت بين النخلة العُمانية والسارية الكويتية في لوحةٍ واحدة .
ختامًا .. وداعٌ على لحن الوفاء
وعند ختام الزيارة الأخوية الكريمة، كان حضرةُ صاحبِ الجلالةِ السُّلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظهُ الله ورعاهُ – في مقدّمة مودّعي أخيه حضرةِ صاحبِ السُّمو الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، أمير دولة الكويت الشقيقة، بعد زيارةٍ أخويّةٍ خاصّةٍ لسلطنة عُمان.
وجاء هذا الوداع كما كان الاستقبال، مفعمًا بالمودّة والتقدير، ومشحونًا بروح الأخوّة الصادقة التي تترجم عمق العلاقات الراسخة بين البلدين الشقيقين، وتؤكد المضيّ قدمًا في بناء مستقبلٍ مشتركٍ أكثر ازدهارًا ووحدةً وتكاملًا.
وتبقى العلاقات العُمانية الكويتية شاهدةً على ثبات القيم وصدق النوايا. إنها ليست علاقة مصلحة، بل علاقة وجدانٍ ومصير، كتبتها الجغرافيا بالحبر الأزرق للخليج، ووقّعها التاريخ بختم الأخوّة.
وحين تعزف الموجة نغمتها على شاطئ مسقط، ويردّد النسيم صداه في سواحل الكويت، يسمع الخليج كلّه لحنًا واحدًا يقول ..
عُمان والكويت .. قلبان ينبضان في صدرٍ واحد، ووعدٌ لا يشيخ بالزمن .


























