الصحوة – علي الحداد
عندما يموج البحر بالاضطراب، تتردّد أصوات السياسة كأمواجٍ متكسّرة على صخور الخوف، لكن من عُمان جاء صوتٌ آخر، يُشبه النسيم حين يُعيد التوازن إلى الأفق.
صوتُ معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي في منتدى حوار المنامة 2025، كان نداءً صادقًا لاستعادة روح الحكمة والاعتدال في زمنٍ فقدَ صوابه.
كلماته خرجت من عمق التجربة، ومن ذاكرة التاريخ التي تعرف أن الحوار أرقى أشكال القوة حين يُمارس بصدقٍ ومسؤولية.
منذ عقودٍ طويلة، اختارت عُمان أن تكون صوت التوازن في شرقٍ يختبر أقصى درجات التوتر.
وحين تحدّث معالي الوزير عن إيران، لم يتحدث من موقعٍ سياسيٍّ ضيّق، بل من رؤيةٍ حضاريةٍ ترى في الجغرافيا شراكةً لا حدودًا.
قالها بثقة الهادئ الواثق: عزلُ إيران لم يكن يومًا حلاً، بل إن إشراكها في منظومة الأمن الإقليمي هو الطريق لتعزيز الاستقرار والتعاون.
بهذه الجملة رسم معالي السيد بدر البوسعيدي ملامح مدرسةٍ فكريةٍ جديدة في السياسة الخليجية والعربية، مدرسةٍ لا تُبنى على المحاور، بل على بناء الجسور والفهم المشترك.
لم يرَ معالي الوزير في جمهورية إيران الإسلامية خصمًا، بل رآها جارًا طالته الجراح، لكنه لم يفقد اتزانه.
استحضر إنسانها قبل نظامها، وثقافتها قبل سياساتها، وتاريخها الممتدّ في عمق الخليج قبل أن تُغرقه النزاعات الحديثة.
تحدّث عنها كما يتحدث الجار عن الجار في مجلس الحكمة، لا ليُجامل، بل ليُصوّب البوصلة نحو الحقيقة الغائبة:
أنّ الاستقرار لا يتحقق بالعزلة، ولا يُبنى الأمن بالإقصاء، بل بالانخراط الإيجابي بين الأمم.
وفي كلمته في منتدى المنامة، عبّر معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي بوضوح عن جوهر الموقف العُماني، مؤكدًا أن الرؤية لا تنفصل عن المبدأ ولا عن الذاكرة التاريخية.
قال معاليه:
لقد عرفنا منذ زمن أن إسرائيل، وليس إيران، هي المصدر الرئيسي لعدم الاستقرار في المنطقة.
وعلى مر السنين، كان مجلس التعاون الخليجي متفرجًا، وسمح بعزل إيران، وأعتقد أن هذا يجب أن يتغير.
لطالما آمنت سلطنة عُمان بآلية أكثر شمولاً للحوار، مع جميع دول المنطقة بما فيها إيران والعراق واليمن.
تلك العبارات لم تكن مجرد مواقف سياسية، بل خريطة طريق لإعادة تعريف الأمن الإقليمي على أسسٍ من الشمول والإنصاف.
فهي لا تُعالج النتائج فحسب، بل تضع الإصبع على جذر المشكلة: غياب الحوار الحقيقي، وإقصاء بعض الأطراف عن طاولة التفاهم.
وفي هذا الموقف، لم تكن عُمان تدافع عن إيران بقدر ما كانت تدافع عن مبدأ العدالة في الفهم، عن فكرةٍ تؤمن أن السياسة حين تُفرّغ من بعدها الإنساني تتحول إلى أداةٍ للخراب.
أشار معالي الوزير إلى الممارسات الإسرائيلية التي دمّرت فرص التهدئة وأزهقت أرواح الأبرياء في إيران، ليقول للعالم إنّ الأمن لا يمكن أن يُبنى على أنقاض القانون الدولي.
كان حديثه دقيقًا في توصيفه، عميقًا في معناه، صادقًا في نبرته.
لم يكن تبريرًا لأحد، بل تذكيرًا للجميع بأن من يملك ضبط النفس لا يملك فقط قوة الردّ، بل قوة المستقبل.
ومن هنا، بدت كلماته كما لو كانت مرآةً لعقل الخليج، تعكس وجهه الأكثر عمقًا وإنسانية.
ورغم أن معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي تناول في حديثه طيفًا واسعًا من القضايا، من الأمن الإقليمي إلى تحديات المناخ، إلا أنني توقفت عند حديثه عن إيران، لأنه لم يكن مجرّد تناولٍ سياسيٍّ تقليدي، بل رؤيةٌ إنسانيةٌ عميقة تُعيد تعريف مفهوم الجوار في زمنٍ تتقاذفه التدخلات والصراعات.
اخترت حديثه عن إيران لأنه لامس جوهر الفلسفة العُمانية في السياسة: الانفتاح بدل العزلة، والحوار بدل التصعيد، والإدماج بدل الإقصاء.
في كلماته، لم تكن إيران مجرّد دولة في معادلة الأمن، بل اختبارًا لمدى نضج المنطقة وقدرتها على بناء سلامٍ شاملٍ يقوم على الفهم لا على الخوف.
لقد تحدث معاليه عن إيران بلسانٍ يرى ما وراء السياسة، بلسان الحكمة الذي يفرّق بين الاختلاف المشروع والعداء المفتعل، ويؤمن بأنّ إشراك الجميع في منظومة الأمن الإقليمي ضرورة وجودية لضمان الاستقرار المشترك.
كان يتحدث عن إيران من منطلق الإنصاف، وعن الأمن لا من زاوية القوة، بل من زاوية الوعي والمسؤولية.
اخترت هذا الجانب من حديثه لأنه يُجسّد روح عُمان الحقيقية، تلك الروح التي لا تبحث عن مكاسب آنية، بل عن توازنٍ دائم، ولا تنحاز إلى طرفٍ ضد آخر، بل تنحاز إلى الإنسان ضد الفوضى.
لقد رأيت في كلماته عن إيران نموذجًا للفكر السياسي الهادئ الذي يصنع من الحكمة أداةً للسلام، ويحوّل الجغرافيا إلى جسرٍ للتواصل لا ساحةٍ للصراع.
وهكذا بدا صوتُ عُمان في منتدى المنامة، لا كصوتٍ سياسيٍّ يعلو ثم يخفت، بل كوعيٍ يرسّخ معاني الاتزان وسط ضجيج العالم.
تجلّى معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، لا كمجرد وزيرٍ وقائدٍ في محفلٍ دولي، بل كمهندسٍ لفكرٍ استراتيجيٍّ جديدٍ في الوعي الخليجي والعربي والعالمي، يُعيد تعريف القوة بمعناها الأخلاقي، وفيلسوفٍ للنهضة السياسية الحديثة يرى في الحوار طريقًا إلى السيادة، وفي الإنصاف أساسًا للأمن.
كانت كلماته مشروعًا لبناء الوعي قبل السياسة، ودعوةً لإحياء الضمير في زمنٍ اختنق بالضجيج.
وحين أنهى كلمته، لم يُغادر المنصة فقط، بل ترك خلفه صدىً يشبه الوصية: لن يكون للأمن وطن، ما لم يكن للحوار بيت.
تلك هي عُمان حين تتحدث .. لا تُجادل لتُقنع، بل تُصغي لتُقرّب، ولا تسعى لتنتصر، بل لتُعيد تعريف النصر ذاته .. أن ننتصر للعقل، وللإنسان، وللحياة.





























