الصحوة- علي الحداد
لكلِّ زمنٍ صوته،ولكلِّ وطنٍ نجمٌ ينهض من أفق الحلم ليقود السفينة نحو الفجر.
وفي عام 1792م،كانت عُمان على موعدٍ مع نجمٍ خرج من بيت العزّة والبسالة،من سلالةٍ كُتِبَ على رايتها النورُ منذ الإمام المؤسس أحمد بن سعيد البوسعيدي، وأخيه الإمام الشاعر سعيد بن أحمد بن سعيد البوسعيدي،
فأتى من بعدهم الإمام والسلطان سلطان بن أحمد بن سعيد البوسعيدي ليجددَ للأرضِ اتزانها، وللبحرِ مجده، وللرايةِ رفعتها.
حين أصبحت مسقط قلب عُمان اختار مسقط عاصمةً لحكمه،
ليس لأنها الأفضل، بل لأنها القلب الذي يسمع نبض البحر، ويرى العالم من ضوء موانئه.
ومن هناك بدأ مشروعه العظيم .. أن تكون عُمانُ وطنًا واحدًا، وبحرًا مفتوحًا على الأمل.
أعاد تنظيم الدولة على أسسٍ من الحكمة والعدل،
فكانت الإدارةُ علمًا، والسياسةُ بصيرة،وجعل من الولاة والمستشارين رجالًا يخدمون الوطن لا المناصب.
فانتظمت الأحوال، وانتعشت المدن،وصار الأمن في عهده كاليقين في صدور الناس .. لا يغيب.
النهضة التي انبثقت من المرافئ
وفي عهد الإمام السلطان، لبست مسقطُ ثوبَ الازدهار،
وصارت تُغنّي على إيقاع الموج والتجارة.
فتح أبوابها للتجار من الشرق والغرب،وخَفَّض الضرائب، وجعل البحر طريقًا للغنى والكرامة؛ فبلغت عائداتُ الموانئ أرقامًا لم يعرفها الخليج من قبل،وغدت السفنُ العُمانية تحمل اسم الوطن إلى كل جزيرةٍ ومرفأٍ وساحل.
كان يؤمن أن الاقتصاد أمنٌ، وأن البحر بابُ النهوض،
فبنى الأسطول، وأحيا المرافئ،وجعل من مسقط وهرمز وبندر عباس محطاتٍ لنورٍ عُمانيٍّ لا يخبو.
يوم البحرين .. حين عبرت عُمان الموج لنصرة الأشقاء
وفي ذاكرة الخليج،صفحةٌ كتبها السلطان بمداد البطولة والوفاء،حين صرخ أهلُ البحرين من تحت الحصار الفارسي،وكانت أمواجُ الخليج تئنّ من جرحها،
أبحر السلطان بجيشه وسفنه،تحت رايةٍ تقول إن عُمان لا تترك أخاها حين يضيق البحر عليه.
قاد حملته إلى البحرين،ففكّ الحصار، وردّ للبحرين كرامتها،وأطفأ نار الفرس بمدافع الإيمان والعزم.
لم تكن معركةً للغزو،بل رحلةُ نجدةٍ وشرفٍ عربيٍّ عُمانيّ،
استعاد بها الخليج توازنه،وعاد فيها لأهل البحرين صوتهم،وللأخوة معناها، وللبحر لونه العربيّ من جديد.
ومنذ تلك اللحظة،ارتفع اسم عُمان عاليًا،تُذكَر في المجالس بصفتها درعَ الخليج وحارسَ مياهه،وجسرَ العروبة بين الشرق والغرب.
التحالف والحكمة السياسية
لم تكن عُمان في عهده جزيرةً معزولة،بل كانت قلبًا نابضًا في جسد العالم،حين تهادى صدى المدافع بين الشرق والغرب،ومدّت فرنسا وبريطانيا أذرعها إلى الشرق،اختار السلطان طريق الحكمة،فوقّع مع بريطانيا اتفاقيات صداقةٍ وتعاونٍ عام 1798م،تحفظ لعُمان سيادتها، وتضمن لأسطولها الأمان في البحار.
كان يعرف أن السياسة، كالملاحة، تحتاج إلى بصيرةٍ أكثر من البوصلة،فأبحر بين المصالح بعقل الدولة لا قلب الطموح فقط،وحافظ على استقلال القرار العُماني بذكاءٍ يليق بسليل الإمام أحمد بن سعيد المؤسس الأول للدولة البوسعيدية العظيمة.
الإمام في عدله .. والسلطان في رؤيته
كان إمامًا في الضمير قبل أن يكون سلطانًا في الحكم.
يؤمن أن العدل ليس قانونًا يُكتب، بل قيمةٌ تُعاش،
وأن الحاكم العادل كالنخلة، لا تُثمر إلا إذا جذورها في الأرض ووجدانها في السماء،أحيا المدارس، وكرّم العلماء،وبنى سلطنةً تستند إلى العلم والعقل، فغدت عُمان في عهده واحةَ استقرارٍ في محيطٍ مضطرب.
الرحيل الذي خلّد الحضور
وفي عام 1804م،أبحر الإمام السلطان في آخر حملاته،
كأن البحر أراد أن يحتضنه كما احتضنه المجد.
ورحل في عُرض الموج، شامخًا كما عاش،بعد أن كتب اسمه في قلب التاريخ العربي،وترك خلفه وطنًا موحدًا قويًا،
وابنًا اسمه السيد سعيد بن سلطان،سيكمل المسيرة، ويُحوّل عُمان إلى إمبراطوريةٍ تمتد من زنجبار إلى سواحل الهند.
صوت البحر الذي ما زال يُنشد اسمه
لم يكن الإمام السلطان سلطان بن أحمد مجرّد إمام وسلطان وحاكمٍ ،بل كان ملحمةً من وعيٍ وقيادةٍ ومجدٍ إنسانيٍّ خالد،وحين يعلو نشيدُ الوطن اليوم،تتماوجُ أمواجُ مسقط لتهمس باسمه،كأن البحر ما زال يروي حكايةَ الرجل الذي علّم الموجَ كيف يُنشدُ العزّة،
وعلّم الأوطانَ كيف تُبحرُ نحو المجد بالعقل، لا بالعنف.
الراية التي بقيت في السماء
منذ أن حمل الراية بعد أخيه الإمام سعيد بن الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي،لم تنزل تلك الراية يومًا،
لأنها رُفعت بيدٍ تعرف أن الكرامةَ عبادة،
وأن السيادةَ أمانة،وأن الوطنَ عهدٌ يُؤدّى بالصدق لا بالوراثة،وفي كل فجرٍ تُشرق فيه شمسُ عُمان،
يعود صوته من الذاكرة ليقول:
احملوا البحر في قلوبكم، كما حملتُه في راياتي،
فإن الموج لا يعرف الضعف ما دام في صدور الرجال عزيمةٌ من عُمان.





























