الصحوة – علي الحداد
لكلّ زمنٍ لحنُه الخفيّ،
ولكلّ وطنٍ يدٌ تعرفُ كيف تُنصتُ إلى صوته الداخليّ حين يضيعُ في ضوضاء التاريخ.
وفي كتابِ عُمان، بعد أن عبرت البلادُ حقبةً من حقباتها،
أطلَّ سلطانٌ من سلالةِ المجدِ والحكمة والعزّة والكرامة والمجدِ التليد،
هو السلطان تركي بن سعيد بن سلطان بن الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي،
وارثُ العزمِ والنور،
وحفيدُ الرجال الذين علّموا الأوطانَ أن المجدَ يُبنى بالحكمة لا بالسيف.
من زنجبار .. وُلد النسيم
في زنجبار، عند ملتقى الطيبِ بالريح،
وُلد تركي،
حيث النخلُ يسافرُ في الظلال،
وحيثُ البيوتُ تتنفسُ بالعطرِ والقرنفلِ والودّ.
هناك تعلّم أن الوطنَ لا يُقاسُ بالبُعد،
بل بالانتماء،
وأنّ البحرَ ليس فاصلًا بين الأرواح،
بل جسرٌ من أمواجٍ تُصافحُ الأمم.
وحين عاد إلى مسقط،
عادَ كما يعودُ النسيمُ إلى واديه القديم،
يحملُ على كتفيهِ حنينًا ومرسومًا،
ويقول للبلاد:
آنَ للسلامِ أن يسكنَ في الموانئ من جديد.
سلطانٌ من نور
لم يكن السلطانُ تركي رجلَ صَولجان،
بل رجلَ ميزان.
أقام في العدلِ مقامَه،
وفي الإصلاحِ مأواه،
أعاد ترتيبَ الأمان في الطرقات،
وجعل من كلِّ قبيلةٍ وترًا في عودِ الوطن،
ومن كلّ ميناءٍ نغمةً في أنشودةِ السلام.
كان يرى في التفاهمِ حصنًا،
وفي الصبرِ جيشًا،
وفي السياسةِ فنَّ العيش المشترك،
فصار مجلسُهُ مساحةَ دفءٍ بينَ الشرقِ والغرب،
يجلسُ فيها البحرُ إلى جوارِ الرملِ والجبال،
ويُصغي الجميعُ لصوتِ رجلٍ يعرفُ أن الهيبةَ لا تُؤخذ، بل تُكتَسَب.
عُمان التي اختارت أن تُصافح لا أن تُقاتل
في عهده، لم تكن عُمانُ تُغلقُ بابًا،
بل تفتحُ نوافذها لكلّ ريحٍ تحملُ احترامًا.
أعاد وجدد مدّ الجسور مع الهندِ وشرقِ إفريقيا،
ورسمَ على وجهِ البحر خطوطًا من تجارةٍ وعدالة،
فكانت السفنُ تخرجُ من مسقطَ كما يُهدي الغيمُ الأرضَ وعدَ الحياة،
تحملُ في أشرعتها التوابلَ واللبانَ والعِطر،
وتعودُ محمّلةً بالمودّةِ والذهبِ والقصص.
ومن تلك الرحلاتِ،
انبثقت صورةُ عُمان ..
بلدٌ يُصدّرُ الأخلاقَ قبل البضائع،
ويوقّعُ معاهداته بالحبرِ والاحترام،
لا بالبارودِ أو الأنين.
اتفاقيةُ الإنسان .. لا الرِّقّ
في الرابع عشر من أبريل عام 1873،
خطّ السلطانُ توقيعه على ورقةٍ صارت فيما بعدَ شاهدًا على الإنسانية،
اتفاقيةٌ ألغت تجارةَ الرقيق،
وأعلنت أنّ البحرَ لا يحملُ بعد اليومِ إلا البشرَ أحرارًا.
ومن تلك اللحظة،
تحوّل التاريخُ من صفحةٍ داميةٍ إلى شراعٍ أبيض،
يُبحرُ باسمِ عُمان في سجلاتِ العالم،
كدولةٍ تُكرّمُ الإنسانَ وتُقدّسُ الكرامة.
بُنيان السكينة
بنى السلطانُ تركي في مسقطَ قصورًا كأنها صلاةٌ من حجرٍ وضياء،
وفي زنجبارَ ظلّت جدرانُ بيت الساحلِ تُردّدُ اسمه كأغنيةٍ بحرية.
كانت القلاعُ التي شيّدها تنحني للموجِ احترامًا،
والنوافذُ تُفتحُ على أفقٍ لا يعرفُ الغروب.
في كلِّ حجرٍ بصمةُ حُلم،
وفي كلِّ شرفةٍ نسمةُ انتماء.
سلامٌ بين الشرق والغرب
لم تكن دبلوماسيتُهُ حذرًا، بل حُبًّا.
يستقبلُ الوفودَ بترحابٍ من نور،
ويُرسِلُ رسائلَهُ إلى ملوكِ الأرض بلُغةٍ من خُلقٍ وصدق.
كان يقولُ: “إنّ التعاونَ بحرٌ لا يُغرقُ من يُبحرُ فيه بحسنِ النيّة.”
فصار اسمهُ في المجالسِ مرادفًا للحكمة،
وفي الوثائقِ عنوانًا للسلامِ الذي لا يُراوغ.
السلطانُ الإداري .. الذي نظّم الدولة
وفي فصولِ حكمه،
كان تركي يُعيد بناءَ الدولة بيدٍ من صبرٍ وهدوء.
اختار رجالَه من أهل الكفاءة،
وأحاط نفسه بمستشارين يعرفون أن العدلَ لا يُصاغُ في المكاتب،
بل يُزرعُ في حياة الناس.
اهتم بالإدارة الإقليمية،
فجعل لكلّ مدينةٍ واليًا يعرفُ موقعها في اللحن الوطني،
ولكلّ منطقةٍ روحًا من التوازن.
وفي أيامه، سكنت البلادُ على إيقاع النظام،
تُدارُ بشرفٍ، وتُحكمُ بعقلٍ،
حتى غدت عُمانُ أنشودةً من انتظامٍ ووقار.
الرحيلُ الذي لم يحدث
وفي صباحٍ من يونيو عام 1888،
أغلق السلطانُ تركي بابَ قصره برفق،
كمن يُسلّمُ البحرَ وصيّتَه،
ورحلَ بهدوءٍ يشبهُ طريقته في الحياة.
لكن البلادَ لم تفقده،
لأن من يزرعُ النورَ في القلوب،
لا يموتُ حين تغيبُ الشمس،
بل يتحوّلُ إلى إشراقةٍ أخرى في ذاكرةِ الموج.
إرثُ الاتزان والنور
لقد كان السلطان تركي بن سعيد صفحةً من صفاء،
كتب فيها التاريخُ سطورًا من الاتزان والحكمة.
في زمنٍ كانت فيه الأمواجُ تتنازعُ السفن،
اختار أن يكون رُبّانًا من سلام،
يُبحرُ بعُمان إلى سواحل الطمأنينة،
ويُعلّم الأجيالَ أن العدلَ هو أقوى السلاح،
وأن الإصلاحَ لا يُفرضُ بالرهبة، بل يُزرعُ بالثقة.
في عهده، استقرّت أنفاسُ الدولة،
وعاد النظامُ إلى المدنِ والقرى،
وانتظمت الإدارةُ كنغمةٍ من نظامٍ ورضا،
تُدارُ بحكمةٍ وهدوء، وتُبنى بيدٍ تعرفُ الصبر.
كان يؤمن أن الإنسانَ هو ثروةُ الوطن،
ففتح أبوابَه أمام الكفاءات،
وأحسن اختيار رجاله،
فأصبحت عُمانُ في أيامه مثالًا في التنظيم والرشد،
وساريةً ترتفعُ في الريح بلا خوفٍ من العاصفة.
وفي رحيله، لم تُغلقِ البلادُ كتابَها،
بل بدأت فصولًا جديدةً من النور،
فقد ترك في النفوسِ ما هو أعمقُ من الحُكم:
إيمانًا بأنّ الوطنَ الذي يُبنى بالعدل،
يظلُّ خالدًا ولو تغيّرت الوجوه.
سلامٌ دائم أيها السلطان
أيها السلطان تركي بن سعيد،
يا من علّمتَ الملوكَ والأمراءَ أن الحُكمَ يبدأ من الإصغاء،
وأنّ الدولةَ التي تبني جسورًا،
أطولُ عمرًا من تلك التي تبني جدرانًا.
سلامٌ عليك، أيها السلطانُ الذي جعل من العدلِ مهابة،
ومن الحُلمِ دستورًا،
ومن الوطنِ نغمةً تُردّدها الريح.
وسلامٌ على عُمان،
تسيرُ بخُطاك في الآفاق المضيئة،
تُبحرُ كما علّمتَها:
بهدوءٍ، بثقةٍ، وباتجاهِ الشمس.



























