الصحوة – لم تكن عُمان بالنسبة للرحّالة الأجانب مجرد محطة عابرة في طريق طويل، بل كانت مشهداً أخاذاً لبلدٍ هادئ ومتماسك وقائم على أخلاق راسخة، لفتت انتباه كل من وصل شواطئه أو عبر جباله. فقبل قرنين من الزمن، وقبل أن ترسم الخرائط الحديثة حدود المنطقة، كتب الرحّالة الأوروبيون ملاحظاتهم عن هذا المجتمع الذي وجدوه شديد التمسك بعاداته، متصفاً بالوقار والحياء، ومختلفاً عن محيطه في نظامه، واستقراره، وأسلوب حياته.
أول هؤلاء كان الرحّالة الألماني كارستن نيبور، الذي وصل مسقط عام 1765 في إطار بعثة استكشافية لجزيرة العرب. وفي كتابه “وصف جزيرة العرب”، دوّن بدهشة أن العُمانيين يتميزون بطابع من الوداعة والانضباط يجعلهم أقرب إلى “مجتمع هادئ يتعامل باحترام واضح بين أفراده”. ويوثق نيبور كيف لفت نظره أن المرأة العُمانية تحظى بمكانة اجتماعية معتبرة، وأن العلاقات بين الناس يسودها الاحترام وتجنّب المظاهر المتشددة التي لاحظها في أماكن أخرى من المنطقة. كما رسم أول خريطة دقيقة لمسقط، مشيراً إلى تنظيمها العمراني وأمنها الذي يبعث الطمأنينة في زائرها.
وفي القرن التاسع عشر، دخل الضابط البريطاني جيمس ريموند ويلستد عمق الداخل العُماني، وكتب في مذكراته أنه لم يشهد مجتمعاً “يرتدي هويته بشفافية مثلما يفعل العمانيون”. وأشاد بثبات اللباس العُماني واعتباره جزءاً من الوقار اليومي، وبعادات الضيافة التي رأى فيها “كرماً غير مصطنع”، قبل أن يضيف بأن العُمانيين “يميلون إلى الاعتدال والاتزان في تصرفاتهم”، وهي صفات قال إنها ميّزتهم عن غيرهم في شبه الجزيرة العربية. وتحت ملاحظته الدقيقة، ظهر العُمانيون شعباً يجمع بين بساطة الريف وحكمة التجار وأخلاق البحر.
أما صامويل باريت مايلز، القنصل البريطاني في مسقط، فترك أدقّ ما كُتب عن المجتمع العُماني في ذلك العصر. عاش مايلز بين العمانيين، وكتب عنهم بشغف المؤرخ الذي اكتشف نموذجاً مختلفاً للدولة العربية. قال إنهم “أكثر شعوب الخليج تمسكاً بالهدوء والنظام”، وإنهم يجمعون بين النزاهة والاعتدال في الدين واحترام التقاليد الأصيلة. وتظهر في كتاباته إشارات متكررة إلى أن العمانيين، رغم تعدد قبائلهم ومناطقهم، يحتفظون بروح وطنية موحدة تضع المصلحة العامة فوق الانقسامات الصغيرة. كما وصف الأمن في مسقط بأنه من بين الأفضل في موانئ المنطقة، وهو ما يدل على نظام سياسي مستقر منذ بدايات الدولة البوسعيدية.
وتكشف هذه الشهادات الأجنبية، التي كُتبت بفارق عقود عن بعضها، أن صورة العُمانيين في عيون الرحّالة ظلت ثابتة: احترام، اتزان، وأخلاق لا تتغير بتغير الزمن. وهي صفات تتسق مع البدايات الأولى للدولة العُمانية الحديثة منذ تأسيسها عام 1744 بقيادة الإمام أحمد بن سعيد، حين قامت الدولة على فكرة جمع الناس تحت راية واحدة، وترسيخ قيم الاستقرار، والتعامل الحضاري مع العالم. تلك الروح التي رصدها الرحّالة الغربيون لم تكن انعكاساً لمرحلة عابرة، بل امتداداً لهوية متجذرة منذ نشأة الدولة وحتى اليوم.
وفي زمن تعيد فيه عُمان قراءة تاريخها في يوم التأسيس، تبدو هذه الشهادات القادمة من مؤرخين ورحّالة غربيين بمثابة مرآة تؤكد أن ما يراه العالم اليوم في الشخصية العُمانية — من هدوء ووقار واحترام وهوية ثابتة — ليس وليد العصر الحديث، بل امتداد لتاريخ طويل شهد عليه من مرّوا بهذه الأرض قبل عقود طويلة. فالبلد الذي استقبل الرحّالة قبل مئتي عام بالأخلاق ذاتها، لا يزال يقدم نفسه للعالم بالروح نفسها: دولة تُبنى بالقيم قبل الجغرافيا، وبالإنسان قبل الحجر.



























