الصحوة – علي الحداد
لم تكن حادثة العامرات مجرد خبر يمرّ في زحمة الأيام، بل كانت ظلًا ثقيلاً مرّ على القلوب، وصمتًا عميقًا باغت البيوت بما يفوق قدرتها على الاحتمال. فأسرة كاملة غادرت الحياة في هدوء لا يشبه هدير الأسئلة التي أعقبت رحيلهم، وتركوا وراءهم بابًا موصَدًا على ذكرياتهم، وبلدًا يحاول أن يستوعب وقع الفقد.
وفي لحظةٍ لا يملك فيها الإنسان إلا الرحمة، ارتفعت الدعوات صادقة ،
رحم الله تلك الأسرة الطيبة، وجعل مثواهم نورًا وسلامًا، وألهم أهلهم صبرًا يليق بحجم الألم.
ومع أنّ هذا هو الصوت الطبيعي أمام مصابٍ كهذا، إلا أنّ مسار النقاش العام سرعان ما انحرف عن طبيعته. فعلى الرغم من أن الجهات المختصة باشرت الحادث فور وقوعه ،وقدّمت بيانات واضحة أكدت أن الخدمة لم تُقطع عن المنزل، وأن العداد يعمل بنظام مسبق الدفع بطلب من مالك العقار، وأن التحقيقات ما تزال جارية للوصول إلى الصورة الكاملة، إلا أن هذا التوضيح لم يَحصّن الحقيقة من موجات الجدل.
إذ اتسع فضاء المنصات الرقمية لروايات متسرّعة وأخرى غير دقيقة، وانطلقت حملات تشكيك حاولت أن تدفع بالحادثة إلى مسارات لا تخدم أحدًا. وانتقلت بعض النقاشات من فضاء الرحمة إلى مساحات التأويل والتصعيد، واندفع البعض خلف مقاطع مجتزأة أو منشورات كُتبت على عجل، حتى بدا وكأن الحقيقة نفسها أصبحت غريبة وسط هذا الضجيج.
وقد ترك هذا الانفلات أثرًا مجتمعيًا واضحًا ، إذ ساهمت بعض المنشورات في زعزعة الثقة، وأثارت الشكوك بدل أن تهدّئ النفوس، وأوجدت حالة من الإرباك لا تلائم حساسية الموقف ولا تحترم مشاعر ذوي الضحايا الذين يكفيهم ما نزل بهم من لوعة.
وفي الوقت الذي حاولت فيه هذه الروايات المتوترة أن تسيطر على المشهد، بقي الوطن ثابتًا في موقفه. فقد تابع حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله – تفاصيل الحادث، وأوفد من يقدم العزاء باسم جلالته، في خطوة حملت من المعنى ما يفوق الكلمات ،خطوة تقول إن أبناء هذا الوطن ليسوا وحدهم مهما كان حجم المصاب، وإن المواساة فعل دولة قبل أن تكون فعل فرد.
لكن الحادثة كانت أكبر من الروايات، وأعمق من الجدل. فقد أعادت سؤالًا صامتًا إلى الطاولة .. كيف يمكن لنا أن نحافظ على إنسانيتنا أمام الأحداث التي تمس حياة الناس؟ وكيف يمكن للرحمة أن تبقى في صدارة الحوار، وأن تسبق الرغبة في التعليق والانتقاد والتفسير؟
إن ما جرى يؤكد أن مسؤوليتنا اليوم ليست فقط في الدعاء للضحايا، بل في تهدئة الخطاب، وتقديم مساحة للعقل، ودعم التحقيقات الجارية دون استباق لنتائجها أو تحميلها ما لا تحتمل. إنّ التثبت قبل النشر، والوعي في التعامل مع المعلومات، ليسا خيارين، بل واجبًا يحفظ المجتمع من الشائعات، ويحافظ على مكانة الكلمة وقيمتها.
إننا أمام قصة كان يجب أن تُقرأ بصوتٍ منخفض، بحجم الرحمة التي تستحقها، وبوعي أن كل كلمة تصل إلى أهل الفقيد قد تزيد من ثقل القلب. ومن واجبنا أن ندع الحادثة في إطارها الحقيقي .. أسرة رحلت برحمة الله، وجهات رسمية باشرت وقدّمت بيانات واضحة، وتحقيقات جارية تتقدّم وفق الإجراءات، وقلوب رفعت يديها بالدعاء، ومجتمع لا يزال قادرًا على أن يكون حضنًا لا منصةً للجدل.
سلام على أرواحهم الطاهرة، ورحمة تتنزل عليهم في عليين، وصبر جميل لمن بكى رحيلهم. ولعل هذه اللحظة تكون درسًا يعيدنا إلى قيمنا الأولى .. أن نرفق ببعضنا، وأن نحفظ للكلمة وزنها، وأن نضع الرحمة في مقدمة كل حديث .. حديثٍ يليق بالمصاب .





























