حصريٌّ لـ«الصحوة» – في ولاية سِناو الوادعة بمحافظة شمال الشرقية، وُلد عام 1944م (1363هـ) طفلٌ قدّر الله أن يفقد بصره صغيرًا، لكنه لم يفقد نور البصيرة الذي أضاء له طريقًا سيغدو لاحقًا منارةً للعلم والدعوة. ذلك الطفل هو فضيلة الشيخ العلامة حمود بن حميد بن حمد الصوافي، الذي تحوّلت سيرته إلى إلهامٍ للأجيال، ومثَلٍ حيٍّ للصبر والثبات والإصرار على خدمة الدين والوطن.
نشأةٌ في كنف القرآن
منذ سنواته الأولى، ارتبط الشيخ حمود بالقرآن الكريم حفظًا وتدبّرًا. وبرغم محنة فقدان البصر، أقبل على حفظ المتون الكبرى التي شكّلت أساس المدرسة العلمية العُمانية؛ فحفظ «جوهر النظام» للإمام نور الدين السالمي، و«ألفية ابن مالك» في النحو، ولازم كتب الفقه والعقيدة، ومنها «شرح النيل» و«معارج الآمال». هذه البداية المبكرة كوّنت شخصيته العلمية وأرست دعائم مشروعه التربوي الذي سيُثمر لاحقًا.
مدرسة سناو… منارة العلم والطلاب
لم يكتفِ الشيخ حمود بالتحصيل الذاتي، بل تحوّل إلى معلّمٍ ومربٍ أسّس في المغدر بسِناو مدرسةً علمية عُرفت بصرامتها العلمية وثرائها التربوي. لم تقتصر المدرسة على طلاب المنطقة، بل استقبلت مئات الطلبة من مختلف ولايات سلطنة عُمان، ومن خارجها أيضًا، حتى غدت وجهةً لطلابٍ من أقطاب متعددة.
ومع مرور العقود، خرجت المدرسة أجيالًا من الأئمة، والخطباء، والمعلمين، والكوادر الرسمية الذين يواصلون اليوم أداء رسالتهم في المجتمع، وهو ما جعلها توصف بأنها «مدرسة الأثر الممتد».
المربّي قبل العالِم
ما يميّز الشيخ حمود أنّه لم يكن معلّمًا تقليديًا فحسب، بل مربّيًا قريبًا من طلابه. يُعاملهم كأبنائه، يجلس بينهم، يشاركهم تفاصيل حياتهم، ويرشدهم بالقول والعمل. ولذا لُقّب بين طلابه بـ«المربّي»، وصار قدوةً في التواضع، والورع، والبذل. ومن أبرز أنشطته التربوية اليوم، تنظيم مركز صيفي سنوي يستقطب عشرات الطلبة، يجمع بين حفظ القرآن، والفقه، واللغة، ويُجسّد رسالة المدرسة في الاستمرارية والتجديد.
منبر الكلمة والإرشاد
لم يقتصر عطاؤه على أسوار المدرسة، بل امتدّ إلى المنابر والإذاعة؛ فقدّم برنامجًا إذاعيًا بعنوان «شذرات إسلامية» عبر إذاعة القرآن الكريم، عالج فيه قضايا الإيمان والسلوك بلغة ميسّرة تصل للعامّة والنخب على السواء. كما خلّد رسالته عبر مؤلفات نافعة منها:
• القواعد في النحو والإعراب: مرجع تعليمي ميسّر للطلاب.
• زاد الخطيب: مجموع خطبٍ للعام والمناسبات.
• روضة الإيمان في ذكر الرحمن: كتابٌ يفيض بالذكر والتربية الروحية.
التكريم السلطاني… وسام وفاء
في مشهدٍ يختصر تقدير الوطن لرموزه، تفضّل جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم في يناير 2023 بمنح الشيخ حمود وسام الإشادة السلطانية من الدرجة الثانية تقديرًا لعطاءاته في العلم والتعليم والدعوة. وقد تسلّم الوسام ابنه أحمد نيابةً عنه، ليبقى التكريم شاهدًا على دورٍ عظيم بذله الشيخ لسنوات طويلة بصبرٍ ووفاء.
أثرٌ باقٍ وذكرٌ خالد
اليوم، وبعد عقودٍ من العطاء، يُجمع من عرف الشيخ حمود الصوافي على أنّه رمزٌ للعلم المتجذّر في خدمة الناس، وأنّ مدرسته لم تخرّج طلبة فحسب، بل خرجت رجالًا متسلّحين بالعلم والخلق. ورغم أنّ البصر غاب مبكرًا، فإن البصيرة التي منحها الله له بقيت تُضيء الطريق للآلاف.
إنها سيرةٌ تختزل معنى أن يكون المرء ثابتًا على المبدأ، صابرًا على البلاء، متواضعًا في العطاء. إنها سيرةٌ تقول للأجيال: قد تُحرم من نعمةٍ، لكنك قادرٌ أن تضيء بنعمةٍ أخرى.



























