الصحوة – علي الحداد
عندما تتكاثف الأزمات وتتآكل مرجعيات النظام الدولي تحت ضغط التدخلات والحروب بالوكالة، تبرز خلوة مسقط للوساطة كأهدأ فضاء يُعاد فيه التفكير في العالم، وكمنصة تُصاغ فيها ملامح الأفق السياسي الجديد. وفي صميم هذا التحوّل يقف معالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي، وزير الخارجية العُماني، حاملًا رؤية تستشرف مستقبل الإقليم والنظام الدولي بعمق يتجاوز اللحظة العابرة.
مسقط .. من منصة حوار إلى مركز سياسي لإعادة تشكيل الأفق
لم تعد مسقط العامرة مجرد عاصمة تستضيف اللقاءات، بل تحوّلت إلى بنية ذهنية وسياسية تعيد تعريف وظيفة الوساطة في زمن الاضطراب. فخلوة مسقط ليست حوارًا دبلوماسيًا تقليديًا، بل أكاديمية فكرية تتقاطع فيها خبرات الشمال مع رؤى الشرق، في إدارة هادئة تتعامل مع التعقيد دون انزلاق إلى الاصطفافات.
ومن فكرة استُحضرت من منتدى أوسلو للوساطة، وُلد نموذج عماني أكثر نضجًا، يستند إلى عمق التاريخ البوسعيدي في كواليس السياسة. لم يعد الأمر نقاشًا حول النزاعات فحسب، بل إعادة توصيف للصراعات .. جذورها، دينامياتها، القوى التي تغذيها، وكيفية تحويل مسارات الفوضى إلى مسارات تدريجية قابلة للحياة.
نقد التدخلات الأجنبية .. من توصيف المشكلة إلى بناء موقف عالمي
في كلمته أمام منتدى أوسلو – خلوة مسقط للدبلوماسية – قدّم معالي السيد بدر البوسعيدي قراءة نقدية رصينة لظاهرة التدخلات الأجنبية، قراءة ترتكز إلى منطق القانون الدولي وليس إلى الانفعال السياسي.
فقد شهدت العقود التي تلت سقوط نظام صدام حسين تراكمًا نوعيًا في أشكال التدخل:
• تدخلات مباشرة لقوى كبرى،
• وأخرى عبر وكلاء محليين أو إقليميين،
• وثالثة هجينة تختلط فيها الأدوار حتى حدّ التعمية.
وشكّلت الساحة السورية نموذجًا صارخًا لهذا النمط، كما شهد اليمن والسودان تكثفًا مشابهًا للتدخلات التي أفضت إلى كارثتين إنسانيتين، إحداهما قد تلامس توصيف الإبادة الجماعية وفق القانون الدولي الإنساني.
ولذلك لا يكتفي الخطاب العُماني البوسعيدي بالإدانة الأخلاقية، بل يكشف العلاقة البنيوية بين تراجع احترام القانون الدولي واتساع هامش التدخلات، بما يهدد منظومة التفاهمات التي ضمنت نسبيًا توازن النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
رؤية عُمانية لإصلاح آليات النظام الدولي
لا يكتفي معالي السيد الوزير بالتشخيص، بل يقترح ثلاثة مسارات عملية لتأسيس تحرك دولي جاد :
1. إدانة واضحة وموحّدة للتدخلات الأجنبية
لأنها ليست خلافًا سياسيًا، بل انتهاك مباشر لروح ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة. ومن هنا تأتي الدعوة لموقف دولي صريح يجرّم التدخلات ويعيد الاعتبار لمبدأ عدم التدخل.
2. مؤتمر عالمي برعاية الأمم المتحدة
مؤتمر شامل يجدد الالتزام بالأدوات القانونية التي تحظر التدخلات، ويقيّم كفايتها، ويطوّر آليات إلزامية لاحترامها، حتى لا يتحول القانون الدولي إلى نصوص بلا فاعلية.
3. آلية ملزمة لتنفيذ أحكام محكمة العدل الدولية
يشدد معاليه على ضرورة تجاوز الطابع الرمزي للأحكام، عبر آليات تنفيذية واضحة تُصاغ بالتعاون مع خبراء قانونيين. فالقانون بلا أدوات تنفيذ يتحول إلى مجاملة دولية لا تحمي أحدًا.
هندسة الصمت .. فلسفة الوساطة العُمانية
ما يميز المقاربة العمانية ليس فقط مضمون الأفكار، بل أسلوب إدارة الحوار. هناك ما يمكن تسميته بهندسة الصمت:
حضور هادئ، إصغاء عميق، وإدارة دقيقة للتفاصيل الصغيرة التي تُبنى عليها الثقة الكبيرة. معرفة اللحظة المناسبة للتدخل، وتلك التي يجب فيها الانسحاب لإتاحة المجال أمام الأطراف الأخرى.
هذا النهج لا ينبع من المنصب بقدر ما يصدر عن خبرة متراكمة، ويتجسد عمليًا في خلوة مسقط التي توفر للأطراف بيئة سياسية ونفسية آمنة، بعيدًا عن ضجيج الإعلام وضغوط الاصطفاف.
من إدارة الأزمات إلى صناعة الأفق
ما شهدته مسقط من لقاءات رفيعة، تمتد من الخليج إلى بلاد الشام، ومن إيران إلى القوى الدولية، نشاط دبلوماسي وتحوّل في دور العاصمة العمانية لتصبح نقطة جذب للحوار الرشيد حول ملفات اليمن، وغزة، والعلاقات الإقليمية، وأمن البحرين العربي والمتوسط.
وهكذا تتحول الوساطة العُمانية من إدارة لحظات التهدئة إلى محاولة الإجابة عن سؤال أكبر:
كيف يمكن تحويل نقاط الخلاف إلى مساحات مشتركة تُبنى عليها حلول تدريجية لا تُقصي أحدًا ولا تترك الشعوب تحت رحمة القوة؟
عُمان .. سياسة خارجية تُقاس بما تمنحه من طمأنينة
لقد راكمت سلطنة عُمان نهجًا مستقلاً ومتزنًا في سياستها الخارجية، يعلي من شأن الاستقلالية والاتزان واحترام العلاقات. وعلى هذا النهج أصبحت مسقط حاضنة لمقدمات الحلول، لا مجرد محطة لالتقاط الصور الدبلوماسية.
ومع كل دورة من دورات اللقاءات والمؤتمرات الدولية ومنتديات أوسلو وخلوة مسقط، يتأكد درس سياسي عميق ، أن الدول تُقاس بما تمنحه للآخرين من طمأنينة.
وأن السياسة، حين تتجاوز الانفعال، تصبح أحد فنون إعادة تشكيل العالم.
وبذلك يغدو معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي أحد أبرز الفاعلين الذين يسهمون اليوم في إعادة ترتيب الأفق السياسي للمنطقة والعالم عبر حضور رفيع ثابت يدرك أن مقاومة الفوضى تبدأ بالثبات على مبادئ العدالة والحياد الإيجابي وسيادة القانون.



























