الصحوة – في توقيت تتجه فيه الأنظار إلى زيارة رئيس الوزراء الهندي دولة ناريندرا مودي إلى سلطنة عُمان، تبرز فرصة للعودة إلى ما هو أبعد من الدبلوماسية المعاصرة، نحو علاقة أعمق وأقدم، دوّنتها مصادر هندية في كتب التاريخ، وسجلات التجارة، وأبحاث جامعية تناولت عُمان بوصفها شريكًا بحريًا وثقافيًا في فضاء المحيط الهندي، لا مجرد دولة على هامش الأحداث.
في كتابات المؤرخين الهنود، لا تظهر عُمان كعلاقة طارئة نشأت مع قيام الدول الحديثة، بل كجزء من شبكة بحرية وتجارية ربطت سواحل الهند بالخليج العربي وشرق أفريقيا منذ قرون. ويشير المؤرخ الهندي K. N. Chaudhuri في دراساته عن التجارة في المحيط الهندي إلى أن الموانئ العُمانية، وعلى رأسها مسقط، لعبت دورًا محوريًا في حركة السفن بين غرب الهند وشرق أفريقيا، مستفيدة من الرياح الموسمية التي شكّلت العمود الفقري للملاحة التقليدية في المنطقة.
وتتناول مصادر هندية أخرى، خاصة تلك الصادرة عن أقسام التاريخ في جامعات عريقة مثل Jawaharlal Nehru University، العلاقات العُمانية–الهندية من زاوية “الروابط البحرية السابقة على الدولة”، حيث يُنظر إلى التجار العُمانيين باعتبارهم وسطاء طبيعيين في تجارة التوابل، والتمور، والمنسوجات، لا سيما خلال القرون التي سبقت السيطرة الأوروبية على طرق الملاحة.
وفي السجلات التاريخية الهندية التي تؤرخ للوجود التجاري في بحر العرب، تُذكر عُمان بوصفها محطة مألوفة للتجار الهنود، وليست فضاءً غريبًا أو بعيدًا. بعض هذه السجلات يشير إلى أن العُمانيين لم يكونوا مجرد ناقلين للبضائع، بل شركاء في التجارة البحرية، يمتلكون سفنًا، وخبرة ملاحية، ومعرفة دقيقة بالموانئ والرياح والتيارات البحرية.
كما تحضر عُمان في كتابات هندية تناولت تاريخ الجاليات الهندية في الخليج، حيث تشير دراسات اجتماعية منشورة في مجلات هندية متخصصة إلى أن الاستقرار الهندي في مسقط يعود إلى ما قبل القرن العشرين، وأن العلاقات التجارية تحوّلت تدريجيًا إلى علاقات اجتماعية وثقافية، قائمة على الثقة والتعايش، لا على المصالح الاقتصادية وحدها.
وفي إطار الدراسات المعاصرة، تناول باحثون هنود متخصصون في دراسات المحيط الهندي العلاقة مع عُمان كنموذج لما يُعرف اليوم بـ“الروابط التاريخية العابرة للحدود”، حيث تُدرَس السلطنة باعتبارها جزءًا من المجال الحضاري للمحيط الهندي، لا كامتداد جغرافي منفصل عن شبه القارة الهندية. وتظهر هذه المقاربة في أوراق بحثية صادرة عن مراكز أبحاث هندية تُعنى بدراسة الأمن البحري والتاريخ التجاري للمنطقة.
ولا تغيب عُمان عن الكتابات الهندية الحديثة التي تتناول العلاقات الدولية، إذ تشير بعض التحليلات الصادرة عن مراكز أبحاث في نيودلهي إلى أن العلاقات بين البلدين تستند إلى “ذاكرة تاريخية إيجابية”، تجعل التعاون المعاصر أكثر سلاسة مقارنة بعلاقات أخرى تفتقر إلى هذا العمق التاريخي.
بهذا المعنى، تكشف العودة إلى المصادر الهندية أن عُمان لم تكن يومًا صفحة بيضاء في الوعي الهندي، بل حضورًا ثابتًا في كتب التاريخ، وخرائط التجارة، وسرديات البحر. وهي كتابة لا تنطلق من المجاملة الدبلوماسية، بل من تراكم معرفي يرى في عُمان شريكًا قديمًا، سبق السياسة، ورافق البحر، واستمر حتى اللحظة الراهنة.




























