الصحوة – سعاد الوهيبية
في الركن الهادئ من ساحل الباطنة، تقف منارة غريبة، مكان يشبه الأسطورة أكثر من كونه واقعًا، منارة مبنية فوق صخرة معزولة، يحيط بها البحر من كل الجهات، ولا يمكن الوصول إليها إلا عبر طريق واحد فقط، طريق يظهر ويختفي مع حركة المدّ والجزر.
كانت البداية مع أول خطوة على الجسر الحجري الممدود فوق الممر الرملي؛ أشجار يابسة تصطف على الجانبين كأنها تحرس الطريق، والبحر في الخلفية يتنفس مع كل موجة، الطريق ضيّق، لكن كلما تقدّمت فيه، تشعر وكأنك تقترب من مشهد لا يُفوت، مشهد يجعل التعب جزءًا بسيطًا من الرحلة.
وللوصول إلى هذا المكان الفريد، سواء كان الزائر قادمًا من مسقط أو من محافظات الباطنة، تبدأ الرحلة عبر الطريق الساحلي باتجاه ولاية صحار، والقادمون من مسقط يواصلون المسير شمالًا حتى تجاوز مركز الولاية بقليل، حيث يظهر على يمين الطريق مدخل جانبي يقود إلى منطقة ساحلية مفتوحة تتقدّم فيها المزارع والبيوت المتناثرة بمحاذاة البحر، عند الاقتراب، يبرز مسار ترابي صغير يوصل إلى مساحة توقف بسيطة قريبة من الشاطئ، وهناك تُترك المركبات ليبدأ الجزء الأجمل من الرحلة مشيًا على الأقدام.
من هذه النقطة، يكمل الزوار سيرهم على ممر حجري ضيّق يمتدّ فوق لسان رملي يشق البحر، هذا الممر هو الطريق الوحيد نحو المنارة؛ يكون واضحًا ومكشوفًا عند انخفاض المدّ، بينما يختفي جزئيًا أو كليًا عند ارتفاع منسوب البحر، ليصبح الوصول إلى المنارة مرتبطًا بإيقاع البحر نفسه وتوقيت زيارته.
وعند الوصول إلى قمة برج المنارة، تبدأ الحكاية الحقيقية، الإطلالة هناك مختلفة؛ البحر ممتدّ بلا حدود، والمدينة تظهر من بعيد كخط ضوء صغير، والغروب يلوّن السماء بدرجات برتقالية وبنفسجية تخطف القلب، المكان كله يمنحك شعورًا بأنك تقف فوق لوحة مرسومة، لا فوق صخرة.
لكن جماله لا يخلو من سرّه؛ فالطريق الذي يربط المنارة باليابسة يختفي تمامًا عند ارتفاع منسوب البحر، ليصبح الوصول للمكان مستحيلًا إلا في ساعات معيّنة. وهنا تكمن روعة التجربة: تزور منارة تظهر للعالم ثم تعود لتختفي، كأنها سحر.
وبينما يقف الزوار عند السور الحجري يشاهدون آخر لحظات الغروب، يتضح السبب الذي جعل هذا المكان واحدًا من أجمل الأسرار المخفية في الباطنة؛ منارة منسيّة، لكنها تحمل جمالًا لا يُنسى.



























