الصحوة – سعاد الوهيبية
بينما نركضُ في زحام الحاضر، يباغتنا عطرٌ عابر، أو لحنٌ قديم ينسلُّ من نافذة مفتوحة، أو حتى ملمسُ جدارٍ قديم، فنتوقف فجأة، وفي تلك اللحظة، قد نكون عبرنا إلى أزمنة ماضية، بها لحظات طفولة، أو صوت أو رائحة، نعود إلى وقتٍ لم نفقه حينها أنه سيصبح يومًا ما نقول عنه أو نكتبه:”الزمن الجميل”؛ هذه هي النوستالجيا؛ ذلك الوجع اللذيذ، والحنين الذي يجمع بين دفء الذكرى وبرودة الفقد.
“النوستالجيا” خيط الضوء المتسلل من الماضي، فهي ذاكرة القلب حين يختزن الحنين، وذاكرة العقل حين يسترجع ذكريات قد مضت، إنها رغبةٌ طفولية في العودة إلى ذلك “البيت” البيت الذي كان يسكنك؛ حيث كانت الأيام أطول، والضحكات بلا ثمن، والقلوب لا تعرف التجاعيد.
وفي سردية الحنين، تبدو الأشياء القديمة وكأنها مغلفةٌ بطبقة من الضوء العتيق، فقهوة الصباح لم تكن مجرد مشروب، بل كانت طقساً يجمع العائلة قبل أن يفرقها “الواتساب”، وألعاب الطفولة حين كانت قطعة من الخشب تكفي لتكون دمية بلا ملامح، ورسائل الورق التي كنا ننتظرها بلهفة، نلمس فيها حبر الكلمات ورائحة يد من كتبها.
والعجيب في النوستالجيا أنها فنّانة تشكيلية محترفة؛ فهي تمسحُ الألم، وتُهمل العثرات، وتبقي لنا اللحظات الصافية، إنها كما الفخ الذي يجعلنا نسترجع الذكريات بانتقاء، فنصبح مشتاقين لنسختنا في الوقت للماضي، تلك النسخة التي كانت أكثر براءة وأقل حملاً للهموم؛ إنها محاولة للقبض على السراب، ورغبة في إيقاف عقارب الساعة التي لا تتوقف، كما قال الروائي التشيكي ميلان كوندرا “نحن لا نبكي على الماضي لأنه كان أفضل، بل نبكي لأننا لم نعد نملك مفاتيحه”.
قد تبدو النوستالجيا حزينة، لكنها في جوهرها فعلُ مقاومة، فنحن نعود للماضي لنستمد منه القوة، لنذكر أنفسنا بأننا كنا سعداء يوماً، وأن بإمكاننا أن نكون كذلك مجدداً؛ إذ هي الخيط الذي يربط أجزاءنا المبعثرة، ويجعل لحياتنا قصةً ذات معنى، ولها جذورٌ في أرضٍ صلبة.
النوستالجيا هي تلك المسافة بين ما كنا عليه وما أصبحنا عليه، وهي تذكرنا دائماً أن أجمل ما في الرحلة ليس الوصول فحسب، بل تلك المحطات التي تركنا فيها قطعاً من أرواحنا، وما زالت تنبض بالحب هناك.




























