الصحوة – علي الحداد
ليس من الإنصاف، ولا من الدقة التحليلية، توصيف المشهد الإيراني بوصفه اقترابًا من الهاوية، وكأن دولة صمدت أربعة عقود تحت أحدّ أنظمة الحصار في التاريخ الحديث باتت فجأة على وشك الانهيار. فإيران لم تكن يومًا دولة تعمل في ظروف طبيعية حتى يُقاس أداؤها بمعايير الاستقرار التقليدي، إنما كيان سياسي ووطني تشكّل وتطوّر داخل بيئة ضغط استثنائية، فرضت عليه بناء أدوات الصمود بالتوازي مع بناء الدولة نفسها.
منذ اللحظة الأولى لقيام الجمهورية الإسلامية، وُضعت إيران خارج المظلة الغربية، لا بسبب برنامج نووي لم يكن موجودًا آنذاك، ولا بسبب نفوذ إقليمي لم يكن قد تبلور بعد، إنما نتيجة خيار سيادي واضح: رفض الخضوع لمنطق التبعية، والتمسّك بقرار وطني مستقل في منطقة اعتادت القوى الكبرى أن تُدار فيها الدول، لا أن تشارك في صناعة القرار.
على امتداد أربعة عقود، تغيّرت العناوين وبقي الهدف ثابتًا. تارة باسم “احتواء الثورة”، وطورًا تحت عنوان “الملف النووي”، ثم “البرنامج الصاروخي”، وبعده “النفوذ الإقليمي”، وصولًا إلى استهداف البنية الداخلية نفسها. وهو ما يؤكد أن الإشكال لم يكن يومًا في ملف بعينه، بل في موقع إيران وخياراتها ودورها داخل النظامين الإقليمي والدولي.
ورغم ذلك، لم تُغلق طهران أبوابها. فاوضت، وقدّمت تنازلات محسوبة، ووقّعت اتفاقات دولية شهد العالم بنزاهتها، وسمحت بآليات رقابة غير مسبوقة. لكنها في كل مرة اصطدمت بحقيقة واحدة، أن المطلوب لم يكن التفاهم، بل الإخضاع؛ ليس إدارة الخلاف، بل نزع عناصر القوة التي تتيح لها حماية قرارها السيادي.
ومن الإنصاف التحليلي الإشارة إلى أن المقاربة الأميركية تجاه إيران لا تنطلق حصرًا من منطق الهيمنة أو كسر الخصم، بل تُقدَّم رسميًا بوصفها استجابة لمخاوف أمنية تتصل بسلوك طهران الإقليمي، وبرامجها العسكرية، وهواجس حلفاء واشنطن في المنطقة. غير أن الإشكالية لا تكمن في وجود هذه المخاوف بحد ذاتها، بل في تحويلها إلى سياسة ضغط قصوى أثبتت التجربة أنها لم تُفضِ إلى تعديل جوهري في سلوك إيران، بقدر ما عمّقت فجوة انعدام الثقة ودفعت نحو مزيد من التشدد المتبادل.
في هذا السياق الضاغط، تبدو التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجهها إيران جزءًا من كلفة حصار طويل الأمد استهدف البنية المعيشية للمجتمع، أكثر مما هي انعكاس لعجز بنيوي في الدولة. ومع ذلك، أظهرت الدولة والمجتمع معًا قدرة لافتة على احتواء هذه الضغوط وإدارتها ضمن هوامش الاستقرار الممكن، بما حال دون الانزلاق إلى مسارات التفكك أو الفوضى التي شهدتها تجارب إقليمية أخرى. فالحديث عن التماسك هنا لا يعني غياب الصعوبات، بل يشير إلى مرونة نسبية في إدارة التوترات، وقدرة على الحفاظ على توازن دقيق بين متطلبات الصمود وحاجات الاستقرار في بيئة استثنائية بطبيعتها.
وفي هذا الإطار، لا يمكن قراءة تحركات البازار الإيراني، بما يحمله من رمزية تاريخية واجتماعية، بوصفها مؤشرًا على اهتزاز داخلي بقدر ما تعكس حيوية مجتمع ما زال يمتلك أدوات التعبير والمساءلة ضمن أطره الخاصة. فهذه الدينامية، التي نشأت وتطوّرت تحت ضغوط غير مسبوقة، تكشف عن مجتمع لم تفقده الأزمات قدرته على التفاعل والنقد، وهي سمة نادرة في دول لم تواجه جزءًا يسيرًا من التحديات التي واجهتها إيران على مدى عقود.
وبالتوازي مع هذا المشهد الداخلي المعقّد، تتبلور في الإقليم تحركات دبلوماسية لافتة تقودها سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية ودولة قطر، في مسعى واضح لاحتواء مسارات التصعيد ومنع انزلاق الأوضاع نحو مواجهة عسكرية مفتوحة مع إيران، أو الذهاب إلى سيناريوهات إسقاط النظام. وتستند هذه الجهود إلى إدراك عميق بأن أي صدام مباشر لن يكون محدود الأثر، بل ستتجاوز تداعياته الجغرافيا الإيرانية لتطال أمن الخليج العربي برمّته، واستقرار أسواق الطاقة، وتوازنات الاقتصاد العالمي في مرحلة شديدة الحساسية. وفي هذا السياق، بدت المقاربة الإيرانية أقرب إلى التعقّل السياسي والانضباط الدبلوماسي، بما يعكس قراءة دقيقة لطبيعة الرسائل المحيطة، وسقف المخاطر المرتبطة بها، واختيارًا محسوبًا لتفادي الانزلاق إلى مسارات تصعيدية مفتوحة الكلفة وغير مضمونة النتائج.
ويعزّز هذا التقدير ما نُقل عن وزير خارجية سلطنة عُمان، معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، الذي قاد خلال العام الماضي مسارًا من المحادثات غير المعلنة بين واشنطن وطهران. فقد أشار، في تصريحات نُشرت في الصحافة الأميركية عقب زيارته الأخيرة إلى إيران، إلى غياب أي مؤشرات على اضطراب داخلي شامل، موضحًا أن الحياة اليومية في المدن الإيرانية تسير بصورة طبيعية، وأن النشاطين الاقتصادي والاجتماعي مستمران، بما يعكس فجوة واضحة بين التصعيد الإعلامي المتداول وبين الواقع على الأرض. وفي هذا الإطار، شدّد على أن الخطاب المتوتر لا ينبغي أن يكون بديلاً عن القراءة الدقيقة للوقائع، محذّرًا من بناء قرارات استراتيجية كبرى على تقديرات منقوصة، كما لفت إلى أن إيران، رغم نبرة خطابها العلني، لا تُغلق الباب أمام قنوات الحوار، مؤكّدًا استعداد سلطنة عُمان لمواصلة دورها السياسي والدبلوماسي المحوري في فتح أبواب الحوار، وتوسيع مساحات الاشتباك الدبلوماسي البنّاء، وبناء جسور الثقة بين واشنطن وطهران، استنادًا إلى رؤية عميقة تؤمن بأن إدارة الخلاف بالحكمة والعقلانية أكثر جدوى من تأجيجه، وبأن الدبلوماسية الهادئة تظل الأداة الأنجع لحماية الاستقرار الإقليمي.
ولا يمكن فصل هذا المشهد الإقليمي عن دور إسرائيل، التي تمثّل عاملًا ضاغطًا دائمًا في معادلة التصعيد، سواء عبر سياساتها الأمنية المباشرة أو من خلال تأثيرها في دوائر صنع القرار في واشنطن. فالحسابات الإسرائيلية، القائمة على منع أي تعاظم استراتيجي لإيران، كثيرًا ما تدفع باتجاه خيارات حادة لا تراعي بالضرورة كلفة التصعيد الشامل على استقرار المنطقة ككل.
ويزداد هذا العامل تعقيدًا عند النظر إلى طبيعة العلاقة بين إسرائيل والإدارة الأميركية، ولا سيما في ظل رئاسة دونالد ترامب، حيث لعبت الدوائر السياسية والأمنية الإسرائيلية، إلى جانب جماعات ضغط نافذة داخل واشنطن، دورًا مؤثرًا في دفع البيت الأبيض نحو سياسات أكثر تشددًا حيال إيران. ولم يكن هذا الضغط نابعًا فقط من اعتبارات استراتيجية بعيدة المدى، بل أيضًا من رهانات سياسية داخلية استثمرت في خطاب المواجهة، وقدّمت إيران بوصفها التهديد المركزي الذي يبرّر الانسحاب من الاتفاقات، وتشديد العقوبات، والإبقاء على خيار القوة العسكرية حاضرًا، رغم كلفته الإقليمية الباهظة.
ومن هذا المنطلق، يتزايد الإدراك الإقليمي بأن أي عمل عسكري ضد إيران لن يكون في صالح أصدقاء الولايات المتحدة في المنطقة، ولن يخدم استقرارها أو أمنها على المدى المتوسط والبعيد. بل على العكس، فإن زعزعة الاستقرار داخل إيران قد تفتح الباب أمام فوضى يصعب التنبؤ بمآلاتها، بما ينعكس مباشرة على دول الجوار والأسواق الدولية، ولا سيما أمن الطاقة والممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
في ضوء ذلك، لا تبدو إيران اليوم أمام مسار واحد مغلق، بل عند مفترق خيارات دقيقة تتراوح بين الصبر الاستراتيجي، والتصعيد المحسوب، والانفتاح التفاوضي المشروط بضمانات واضحة. ولكل خيار من هذه المسارات كلفته ومخاطره، غير أن القاسم المشترك بينها يبقى إدراك طهران أن إدارة الصراع، لا كسره ولا الهروب منه، هي ما سيحدّد موقعها في المعادلة الإقليمية المقبلة، في ظل بيئة دولية متحوّلة وتوازنات لا تسمح بحلول صفرية أو انتصارات سريعة ونظيفة.
إيران اليوم ليست عند حافة السقوط، بل عند مفترق خيارات تاريخية دقيقة، تمتلك فيها من الخبرة السياسية والعمق الاستراتيجي ما يمكّنها من اتخاذ قرارات متزنة، بعيدة عن الانفعال أو الخضوع للضغوط الآنية. وفي عالم لا يحترم إلا من يملك قراره، تبقى إيران، مهما اشتدت الأزمات وتكاثفت الضغوط، دولة دفعت كلفة استقلالها، لكنها لم تساوم عليه، ولم تحوّل سيادتها إلى ورقة تفاوض عابرة.



























