الصحوة – علي الحداد
ليست الدول العظيمة تلك التي تبحث عن التصفيق، بل تلك التي تنجز حتى يأتي الاعتراف من خارجها، صافياً، موضوعياً، خالياً من المجاملة. وهكذا جاءت إشادة صندوق النقد الدولي بسلطنة عُمان، لا كخبرٍ عابر في نشرةٍ اقتصادية، إنما كشهادة ثقة دولية على مسارٍ إصلاحي شُيِّد بعقل الدولة، وصيغ بحكمة القيادة، وتبلور بثباتٍ يفرض احترامه.
ففي وقتٍ تتباين فيه تجارب الدول، وتتعثّر فيه اقتصادات تحت وطأة الأزمات، وقف صندوق النقد الدولي ليؤكد بلغة الأرقام والانضباط أن عُمان تمضي في أجندة إصلاحها بثبات، وأن اقتصادها يكتسب قوة متنامية، واتزانًا يُحسب له حساب في محيطٍ عالمي شديد الاضطراب.
غير أن هذه الشهادة لم تولد من فراغ، ولم تكن ثمرة ظرفٍ مواتٍ أو رياحٍ مساعدة، بل نتاج مرحلة مفصلية قادها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظّم، حفظه الله ورعاه، سلطان النهضة الاقتصادية العُمانية المتجددة، منذ تسلّمه مقاليد الحكم في واحدة من أدق اللحظات الاقتصادية عالميًا ومحليًا، لحظة كان فيها العالم مثقلاً بالتقلبات، والأسواق مشوبة بعدم اليقين، والضغوط المالية حاضرة بثقلها.
لكن القادة الكبار لا تُقاس أدوارهم بيسر البدايات، بل بقدرتهم على تحويل العسر إلى أفق، والأزمة إلى بوابة عبور. فاختار جلالته منذ اللحظة الأولى نهج الدولة لا ردّة الفعل، ورسم بعين الحكمة ملامح مسارٍ إصلاحي هادئ، عميق، متدرّج، لا يقتلع بقدر ما يُصلح، ولا يغامر بقدر ما يوازن، ولا يستعجل الثمار قبل الاطمئنان إلى سلامة الجذور.
وفي هذا السياق، جاءت قراءة صندوق النقد الدولي لتؤكد أن النمو المتحقق في عُمان ليس هشًّا ولا طارئًا، بل يستند إلى قاعدة اقتصادية أكثر اتساعًا، تقودها القطاعات غير النفطية التي سجلت نموًا لافتًا، وحضورًا يعكس نجاح سياسات التنويع التي تبنّتها السلطنة بوصفها خيار دولة لا شعار مرحلة.
وأشاد الصندوق بتماسك الأداء الاقتصادي الكلي، وبقدرة سلطنة عُمان على تحقيق نمو متوازن لا يفرّط في الاستقرار، ولا يغامر بالاستدامة. كما نوّه بالإدارة المالية الحكيمة التي حافظت على فائض مالي، رغم تقلبات أسعار النفط، في دلالة نادرة على انضباط القرار المالي، ووضوح أولوياته، وعمق وعيه بالمسؤولية الوطنية.
ولم يغفل الصندوق عن الإشارة إلى المسار النزولي للدَّين العام، معتبرًا ذلك مؤشرًا إيجابيًا على صلابة السياسة المالية، وقدرتها على تقليص المخاطر المستقبلية، وترسيخ الثقة في الاقتصاد الوطني. إشادة لا تُمنح إلا حين تلتقي الأرقام مع الرؤية، وتنسجم السياسات مع الأهداف، ويثبت الواقع صدقية التوجّه.
وفي عمق السياسة النقدية، ثبّت الصندوق تقييمه الإيجابي لربط سعر صرف الريال العُماني، بوصفه ركيزة ذات مصداقية، عزّزت الاستقرار النقدي، وحافظت على ثقة الأسواق، ومنحت الاقتصاد مظلة أمان في محيطٍ عالمي تتكاثر فيه الاهتزازات وتقل فيه اليقينيات.
غير أن ما منح إشادة الصندوق بعدها الأعمق، هو إدراكه أن الإصلاح في عُمان لم يكن تقنيًا صرفًا، بل إنساني التوجّه في جوهره. فقد أكّد على أهمية مواصلة الإصلاحات المالية مع حماية الفئات الأكثر احتياجًا، وتطوير السياسات الضريبية، وتحسين كفاءة الإدارة، والإلغاء التدريجي للدعم غير المستهدف، دون المساس بروح العدالة الاجتماعية أو توازن المجتمع.
وهنا تتجلّى بوضوح روح رؤية عُمان 2040 ، تلك الرؤية التي لم تُكتب لتُعلّق، بل لتُنجز، ولم تُصغَ كشعار، بل كخريطة طريق لدولة تعرف ماذا تريد، ومتى تريد، وكيف تصل. رؤية جعلت الاستدامة نهجًا، والحوكمة أساسًا، والإنسان محورًا، والاقتصاد وسيلة لكرامة الوطن لا غاية منفصلة عنه.
إن إشادة صندوق النقد الدولي، في جوهرها، ليست سوى انعكاسٍ لواقعٍ تشكّل على أرض عُمان .. دولة تُصلِحُ ذاتَها، وتوازن بلا تردّد، وتبني اقتصادها كما تبني تاريخها .. بصبر الحكماء، وبصيرة القادة، وثقة لا تهتز.
هكذا تُكتب التجارب التي تُحترم،
وهكذا تُصنع الشهادات التي يُعتدّ بها،
وهكذا تمضي عُمان،
بقيادة سلطانٍ جعل من الحكمة سياسة،
ومن الإصلاح نهجًا،
ومن الاعتراف الدولي نتيجةً طبيعية لمسارٍ صادق.


























