حصريٌّ لـ«الصحوة» – في القرى العُمانية القديمة، حيث الجبال شاهقة والوديان موحشة، وحيث كان الموت حاضرًا بقوة في حياة الناس، لم يكن الفقد حدثًا عابرًا، بل صدمة وجودية تبحث عن تفسير. ومن رحم هذا القلق الإنساني العميق، وُلد مفهوم «المغيَّب» في التراث الشعبي العُماني، بوصفه إحدى أكثر المعتقدات الغيبية إثارة للجدل، وأطولها عمرًا في الذاكرة الجمعية.
في المعتقد الشعبي، يُطلق لفظ «المغيَّب» أو «المغايبة» على الشخص الذي يُعلن موته، ويُدفن رسميًا، ثم يُعتقد لاحقًا أنه عاد حيًّا، أو شوهد يتنقل في أماكن نائية، غالبًا فاقدًا للإدراك، خاضعًا لقوى سحرية غامضة. ويُنظر إليه على أنه ضحية سحر لا إرادة له، أُخرج من عالم الأحياء ثم أُعيد إليه مشوّه الوعي، مسلوب العقل، ومحروم العودة إلى أهله إلا بفكّ السحر.
ولا يظهر المغيَّب في المخيال الشعبي بوصفه كائنًا شريرًا، بل كإنسان مكسور، يُثير الشفقة أكثر من الخوف، يعيش على هامش الحياة، بين الموت والوجود.
وتلعب شخصية الساحر دورًا محوريًا في سرديات المغيَّب. فبحسب الروايات المتوارثة، يمتلك الساحر القدرة على «إماتة» الإنسان ظاهريًا، ثم إعادته إلى الحياة بعد دفنه، عبر طقوس سحرية غامضة، غالبًا ما ترتبط بالجن والعهود والقرابين. ويُقال إن المغيب يُقيَّد بعهد يمنعه من العودة إلى أهله أو الإفصاح عمّا جرى له.
هذه السرديات لم تكن مجرد حكايات للتسلية، بل شكلت تفسيرًا شعبيًا لظواهر صادمة، كاختفاء الجثث، أو ظهور أشخاص بعد إعلان وفاتهم، أو مشاهدة من يُشبه المتوفى في أماكن بعيدة.
وتزخر الذاكرة العُمانية بقصص ارتبطت باسم «المغيَّب»، بعضها دُوِّن في كتب التراث، وبعضها بقي في نطاق الرواية الشفهية. من أشهرها قصة فتاة من نزوى دُفنت طفلة ثم شوهدت بعد سنوات ترعى الغنم في الصحراء، وقصة رجل من وادي قريات أُقيمت له جنازة كاملة قبل أن يظهر حيًّا في شمال البلاد، وقصص أخرى ترددت حتى في العقود الأخيرة، مثيرة جدلًا واسعًا بين مصدّق ومكذّب.
هذه الحكايات، على اختلاف تفاصيلها، تشترك في بنية واحدة: موت – دفن – غياب – عودة غامضة، وهي بنية سردية تكشف عن صعوبة تقبّل فكرة الفقد النهائي.
في المقابل، يقف الخطاب الديني والعلمي موقفًا واضحًا من هذه المعتقدات. إذ يؤكد العلماء أن الموت حقٌّ لا رجعة فيه، وأن ما يُروى عن عودة الأموات لا يستند إلى دليل شرعي أو واقعي، بل يدخل في باب الوهم والخرافة. ويُحذّر من تصديق هذه القصص لما تحمله من تضليل وتشويش على العقيدة.
ومع انتشار التعليم، وتقدّم الطب، وتراجع العزلة الجغرافية، تراجعت هذه المعتقدات بشكل ملحوظ. ولم تعد قصص المغايبة تُؤخذ بالجدية التي كانت عليها سابقًا، بل صارت تُروى بوصفها جزءًا من التراث، لا من الواقع.
لكن رغم ذلك، لا يزال «المغيَّب» حاضرًا في الذاكرة، لا لأنه حقيقة، بل لأنه مرآة لمرحلة إنسانية حاول فيها المجتمع تفسير الموت بما يملكه من أدوات.





























