الصحوة – علي الحداد
في مسقط، في يوم التاسع من فبراير عام ألفين وستة وعشرين، لم يكن الزمن محايدًا، ولم تكن القاعة مجرّد مساحة مغلقة على بروتوكولها، بل كان المكان نفسه شريكًا في الحدث، وكأن الجغرافيا قررت أن تتكلم، لا بلسان الخرائط، بل بلغة الرؤية. هناك، انعقد منتدى عُمان – سيبو الاستثماري في نسخته الثانية، لا بوصفه واقعة اقتصادية تُضاف إلى أرشيف العلاقات الثنائية، بل كعلامة فارقة في مسارٍ طويل اختارت فيه دولتان، تفصل بينهما البحار وتجمعهما الصداقة، أن تعيدا تعريف معنى الشراكة في عالمٍ يضيق فيه الفاصل بين القرار ونتيجته، وبين النية وأثرها.
لم يأتِ هذا المنتدى من فراغ، ولم يولد من حاجة طارئة، بل كان امتدادًا عضويًا لذاك اللقاء الأول الذي احتضنته سيبو في يوليو 2025، حين التقت الإرادتان العُمانية والفلبينية على قناعة هادئة مفادها أن الاقتصاد، إذا لم يُسند برؤية سياسية، يتحول إلى حركة بلا اتجاه، وأن السياسة، إذا انفصلت عن الإنسان، تفقد مبررها الأخلاقي والإنساني .
فالاقتصاد الذي لا يرى الإنسان، ينتهي إلى أرقامٍ بلا ذاكرة.
افتُتح المنتدى في مسقط برعاية معالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي، وزير الخارجية، وبحضور معالي تريزا لازارو، وزيرة خارجية جمهورية الفلبين، وبمشاركة مسؤولين وممثلي قطاع الأعمال، وبالتعاون مع غرفة تجارة وصناعة عُمان. ولم يكن هذا التلاقي البروتوكولي سوى انعكاسٍ لواقعٍ أعمق، علاقة تجاوزت مرحلة التعارف، ودخلت طور التخطيط، ثم انتقلت بهدوء إلى مرحلة البناء المشترك، حيث لا تُدار المصالح بردود الأفعال، إنما تُصاغ على مهل، وبوعيٍ بتاريخ العلاقة، وباستشرافٍ لما يمكن أن تكون عليه.
في كلمته الافتتاحية، بدا معالي السيد وزير الخارجية وكأنه لا يفتتح منتدى، بل يفتتح أفقًا. رحّب بالوفود في مسقط، لكنه في العمق رحّب بمستقبلٍ يُراد له أن يكون مشتركًا. أكّد على عمق علاقات الصداقة بين سلطنة عُمان وجمهورية الفلبين، تلك العلاقات الممتدة لأكثر من خمسة وأربعين عامًا، والتي لم تُختبر في مواسم الاستقرار وحدها، بل في لحظات الشدة، حين تُقاس الدول لا ببلاغة خطابها، بل بقدرتها على حماية الإنسان حين تثقله الحياة.
أوضح معالي السيد الوزير أن انعقاد النسخة الثانية من المنتدى لا يُمثّل تكرارًا شكليًا ولا احتفاءً بنجاحٍ مضى، إنما تجسيدًا واعيًا لإرادة مشتركة في البناء على المخرجات، وتحويل التفاهمات إلى مسارات عمل، والنتائج إلى التزامات قابلة للاستمرار. فالمنتدى الافتتاحي في سيبو لم يكن محطة وصول، بل اختبار نوايا، وقد جاءت مسقط لتؤكد أن النوايا حين تُدار بالصدق والأمانة، تتحول إلى سياسة، والسياسة حين تُحسن الإصغاء، تصبح تنمية.
وحين أشار معاليه إلى مجالات التعاون، من التجارة والاستثمار، إلى السياحة واللوجستيات، والطاقة المتجددة، والتعليم، والابتكار، والتقنيات الحديثة، لم يكن يستعرض قطاعات منفصلة، بل كان ينسج رؤية متكاملة للتنويع الاقتصادي بوصفه خيارًا استراتيجيًا، لا استجابة ظرفية. رؤية ترى في التنمية المستدامة التزامًا أخلاقيًا تجاه المستقبل، وفي الابتكار أداة عبور لا ترفًا تقنيًا، وفي الروابط بين الشعوب أساسًا صامتًا لكل شراكة ناجحة.
وفي قلب هذا الخطاب، حضرت الإنسانة بوصفها معيار القياس الحقيقي. فقد عبّر معالي السيد عن اعتزاز سلطنة عُمان بالجالية الفلبينية، التي يبلغ عددها نحو خمسين ألف شخص، لا باعتبارها قوة عمل فقط، إنما بوصفها شريكًا اجتماعيًا واقتصاديًا، وجسرًا إنسانيًا أسهم في ترسيخ الثقة، ودعم القطاعات، والمشاركة في الحياة اليومية للمجتمع العُماني. ومن هذا العمق الإنساني، جاء الحديث عن استقطاب الكفاءات المهنية عبر الاستثمارات المشتركة في القطاعات ذات الأولوية، لا كحلٍ مؤقت، بل كخيار استراتيجي لبناء رأس مال بشري متبادل، عابر للحدود، ومستدام الأثر.
من جانبها، أكدت معالي تريزا لازارو أن العلاقات الثنائية بين جمهورية الفلبين وسلطنة عُمان ليست نتاج لحظة سياسية عابرة، بل ثمرة تاريخ طويل من الاحترام المتبادل والتعاون. وأشادت بالدور الحيوي الذي تضطلع به الجالية الفلبينية في سلطنة عُمان بوصفها ركيزة للثقة، وعنصرًا فاعلًا في تعزيز الروابط بين المجتمعين. كما أعربت عن تطلع بلادها إلى الارتقاء بالشراكة الاقتصادية في مجالات الاستثمار والتجارة والسياحة والطاقة المتجددة والاقتصاد البحري، مؤكدة استعداد الفلبين لتوفير بيئة استثمارية جاذبة، وداعية الشركات العُمانية إلى الاستفادة من الفرص الواعدة، لا سيما في ظل رئاستها الحالية لرابطة دول جنوب شرق آسيا، بما يمنح هذه الشراكة امتدادًا إقليميًا أوسع.
وفي السياق ذاته، أشار ممثل غرفة تجارة وصناعة عُمان إلى أن المنتدى يعكس تطورًا حقيقيًا في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، ويؤكد حرص القطاع الخاص على الانتقال من الحوار إلى الفعل، ومن تبادل الرؤى إلى بناء شراكات مستدامة، تُحوّل الطموح إلى مشاريع، والفكرة إلى أثر اقتصادي ملموس.
أما البيان المشترك الذي اختُتمت به أعمال المنتدى، فلم يكن نصًا توصيفيًا، بل أقرب إلى عقدٍ أخلاقي وسياسي، يعلن نية مشتركة لا لبس فيها. فقد أكّد العلاقات القوية والودية القائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وأقرّ بالدور الإنساني المحوري الذي اضطلعت به سلطنة عُمان في ضمان الإفراج الآمن عن المواطنين الفلبينيين وإعادتهم إلى وطنهم، في موقفٍ تجاوز السياسة إلى جوهرها الأخلاقي. كما شدّد على الدور الحيوي للجالية الفلبينية، وعلى أهمية استمرار التعاون في مجالات العمل وتنمية رأس المال البشري، باعتبار الإنسان حجر الأساس لأي شراكة قابلة للحياة.
ورحّب البيان بانعقاد المنتدى الثاني في مسقط، استنادًا إلى نجاح المنتدى الافتتاحي في سيبو في يوليو 2025، معتبرًا المنتدى منصةً أساسية لتعزيز الحوار والشراكة والتعاون في مجالي الأعمال والتجارة، ومحفزًا لاستكشاف مجالات جديدة للشراكة تعكس الأولويات الاقتصادية المتطورة، والفرص الناشئة، وأهداف التنمية طويلة الأمد لكلا البلدين، مع تركيز خاص على قطاعات التجارة والاستثمار، والسياحة والضيافة والروابط الثقافية، والخدمات اللوجستية والربط، والطاقة المتجددة، والاقتصاد الرقمي والابتكار، والزراعة والرعاية الصحية، والتعاون المهني والتقني، والتعليم، والتنمية المستدامة. وبهذا، لم يكن البيان خاتمة للمنتدى، بل إطارًا مرجعيًا لما بعده.
وهكذا، بدا منتدى عُمان – سيبو الاستثماري أكثر من اجتماع أعمال، وأكثر من منصة حوار، بل تمرينًا ناضجًا على نوعٍ مختلف من الدبلوماسية .. دبلوماسية ترى في الاقتصاد لغة تواصل، لا أداة ضغط، وفي الاستثمار فعل ثقة، لا اختبار نوايا، وفي الإنسان نقطة البداية ونقطة الوصول.




























