حصريٌّ لـ«الصحوة» – في خطوة تعكس التزام سلطنة عُمان المتواصل بتعزيز مبادئ العدالة والمساواة، صدر المرسوم السلطاني رقم (32 / 2026) بالموافقة على انضمام سلطنة عُمان إلى اتفاقية مكافحة التمييز في مجال التعليم، إحدى أهم الاتفاقيات الدولية التي أرستها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عام 1960. ويأتي هذا الانضمام ليضع سلطنة عُمان ضمن الدول التي تبنّت إطارًا قانونيًّا دوليًّا ملزمًا يهدف إلى القضاء على جميع أشكال التمييز في التعليم، وضمان تكافؤ الفرص للجميع دون استثناء.
وتُعد هذه الاتفاقية، التي اعتمدت في باريس في 14 ديسمبر 1960 ودخلت حيّز التنفيذ في 22 مايو 1962، أول صكّ دولي ملزم قانونًا يتناول الحق في التعليم من زاوية مناهضة التمييز تحديدًا. وقد صادقت عليها حتى اليوم أكثر من 110 دول، ما يجعلها مرجعية أساسية في المنظومة الدولية لحماية الحق في التعليم، ومكملة لما ورد في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وغيرها من المواثيق ذات الصلة.
🔹ما الذي تعنيه الاتفاقية؟
تعرف الاتفاقية التمييز في مجال التعليم بأنه أي استبعاد أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الحالة الاقتصادية أو المولد، ويكون من شأنه إبطال أو إضعاف مبدأ المساواة في المعاملة في التعليم. ولا يقتصر المفهوم على الحرمان من الالتحاق بالمؤسسات التعليمية، بل يشمل أيضًا التمييز في مستوى التعليم وجودته والفرص المتاحة للاستمرار فيه.
في المقابل، تضع الاتفاقية مجموعة من الالتزامات الواضحة على عاتق الدول الأطراف، من بينها إلغاء أي تشريعات أو ممارسات تمييزية في التعليم، وضمان أن يكون التعليم الابتدائي مجانيًا وإلزاميًا للجميع، وتوسيع فرص التعليم الثانوي وإتاحته على نطاق أوسع، وإتاحة التعليم العالي على أساس الكفاءة دون تمييز. كما تؤكد على المساواة في مستوى الجودة والمعايير بين المؤسسات التعليمية المختلفة.
وتنص الاتفاقية كذلك على احترام حرية أولياء الأمور في اختيار نوع التعليم لأبنائهم، بما في ذلك التعليم الديني أو الخاص، شريطة الالتزام بالمعايير الوطنية العامة، مع حماية حقوق الأقليات في إنشاء مؤسسات تعليمية والحفاظ على لغاتها وثقافاتها، ضمن الأطر القانونية المعتمدة.
🔹أبعاد قانونية وتنموية
انضمام سلطنة عُمان إلى هذه الاتفاقية يضيف بعدًا دوليًّا جديدًا لمنظومتها التشريعية في قطاع التعليم، ويعزز اتساق السياسات الوطنية مع المعايير العالمية لحقوق الإنسان. كما يمنح سلطنة عُمان موقعًا أكثر فاعلية في التقارير الدورية التي تنظمها اليونسكو حول تنفيذ الاتفاقية، والتي تُعد جزءًا من آلية متابعة دولية تقيس مدى التقدم في تحقيق المساواة التعليمية.
ومن الناحية التنموية، يتقاطع هذا الانضمام مع مستهدفات رؤية عُمان 2040، التي تضع التعليم في صدارة أولوياتها باعتباره ركيزة لبناء رأس المال البشري وتعزيز التنافسية الوطنية. فتكافؤ الفرص في التعليم لا يُعد فقط التزامًا حقوقيًّا، بل شرطًا أساسيًّا لتحقيق العدالة الاجتماعية وتحفيز الابتكار والنمو الاقتصادي.
كما ينسجم الانضمام مع الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة 2030، الذي ينص على “ضمان تعليم شامل ومنصف وجيد للجميع”، وهو هدف تؤكد التقارير الدولية أن تحقيقه يتطلب سياسات واضحة لمكافحة أشكال التمييز المباشرة وغير المباشرة داخل الأنظمة التعليمية.
والمرسوم السلطاني لا يمثل إجراءً شكليًّا، بل رسالة واضحة بأن التعليم في سلطنة عُمان حق أصيل قائم على المساواة، وأن الدولة ماضية في تعزيز هذا الحق ضمن إطار قانوني دولي راسخ. كما أن إيداع وثيقة الانضمام لدى الجهة المختصة وفقًا لأحكام الاتفاقية يترتب عليه التزامات عملية في مجالات التشريع، والسياسات، وآليات الرصد والمتابعة.
وفي المحصلة، فإن انضمام سلطنة عُمان إلى اتفاقية مكافحة التمييز في مجال التعليم يشكّل خطوة نوعية تعزز مكانتها في منظومة حقوق الإنسان الدولية، وتؤكد أن مسار تطوير التعليم في سلطنة عُمان لا ينفصل عن قيم العدالة والإنصاف وتكافؤ الفرص. خطوة تُترجم رؤية وطنية واعية بأن التعليم المتساوي ليس امتيازًا، بل أساسًا لمستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.





























