الصحوة – علي الحداد
السلام لا يُختبر حين تُعلن المبادرات، بل حين تُعاد صياغة القواعد التي تحكمه. وفي اللحظات الانتقالية، لا يكون السؤال كم دُفع من أموال، بل من يملك القدرة على ضبط المعنى قبل أن تضبطه موازين القوة. من هذا المنظور، فإن الاجتماع الأول لما سُمّي بمجلس السلام في واشنطن يتجاوز إطار إعادة إعمار غزة إلى كونه مؤشرًا على محاولة إعادة تشكيل بعض القواعد الحاكمة لمرحلة ما بعد الحرب، ضمن سياق دولي تتبدل فيه التحالفات، وتُعاد فيه قراءة خرائط النفوذ.
مشاركة سلطنة عُمان بصفة مراقب لا تُقرأ بوصفها حضورًا رمزيًا، إنما تموضعًا محسوبًا داخل معادلة تتقاطع فيها إعادة الإعمار مع إعادة توزيع الأدوار. فالدعوة التي وُجّهت من فخامة رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب، ومشاركة معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، تضع عُمان في موقع يلامس صلب الأسئلة الكبرى: من يدير المرحلة؟ ما طبيعة التفويض؟ وكيف تُربط المعالجة الإنسانية بالتسوية السياسية المستدامة؟
إعادة إعمار غزة، مهما بلغت تقديراتها المالية، ليست مشروع بنية تحتية فحسب، إنما لحظة تأسيس سياسي. فالتجربة الإقليمية تؤكد أن الإعمار، إذا لم يُربط بمرجعية قانونية دولية واضحة، وتمثيل فلسطيني معترف به، وضمانات أمنية منضبطة لا تتحول إلى وصاية، فإنه يتحول إلى إدارة مؤقتة لهشاشة دائمة. المسألة ليست سرعة التنفيذ، بل شرعية المسار، وليست حجم الموارد، بل طبيعة الإطار الذي تُدار من خلاله.
السياسة الخارجية العُمانية، كما تبلورت في عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، تقوم على مفهوم الانخراط الواعي داخل ثوابت استراتيجية راسخة: انفتاح محسوب، وقراءة دقيقة لتوازنات القوى، وإدراك أن النفوذ المستدام يُبنى عبر حفظ المسافات لا عبر حسمها. اختيار صفة المراقب يعكس هذا الإدراك، فهو يمنح مساحة تقدير وتقييم، ويُبقي على هامش الحركة، ويصون قدرة الدولة على التأثير في المراحل اللاحقة، حين تتطلب التحولات أدوارًا أكثر حساسية.
كما أن ما عبّر عنه معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي في مداخلاته العلنية عبر منصة إكس : ” أنا اليوم في مجلس السلام في واشنطن لدعم جهود التعافي العاجلة لغزة من خلال تضافر الجهود، وإن تحقيق سلام حقيقي ودائم يتطلب مسارًا سياسيًا مستدامًا يعالج الأسباب الجذرية، ويدعم القانون الدولي، ويحقق حل الدولتين لفلسطين مستقلة، وهو أمر ضروري لأمن واستقرار الجميع”، يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة اللحظة، إذ ربط بين إعادة الإعمار والمرجعية الدولية، وبين الاستقرار المرحلي والعدالة المستدامة. هذا الربط لا يُعد تفصيلًا لغويًا فحسب، إنما تجسيدًا لكفاءة سيادية في صياغة الموقف، حيث تُدار الرسائل السياسية بما يحفظ الثوابت، وبتثبيت حل الدولتين ضمن مرجعية القانون الدولي يبقى المدخل الواقعي الوحيد لاستقرار دائم، ويُبقي، في الوقت ذاته، على مرونة الحركة الدبلوماسية.
ويبرز دور معالي السيد الوزير بدر هنا بوصفه فاعلًا في ضبط الإيقاع السياسي داخل بيئة دولية متغيرة، يوازن بين الواقعية والالتزام المعياري، ويحوّل المنصات الدولية إلى أدوات تثبيت للمرجعية، لا مجرد ساحات تفاعل ظرفي. فالكفاءة الدبلوماسية في البيئات المتحولة لا تُقاس بكثافة الحضور، إنما بقدرة صاحبها على قراءة التحولات البنيوية، وتقدير لحظات الانتقال، وتحديد متى يكون التريث أكثر تأثيرًا من الاندفاع.
إن مجلس السلام قد يمثل انتقالًا من إدارة أزمة محددة إلى محاولة صياغة إطار أوسع لما بعد الحرب. غير أن هذا الإطار لن يكتسب صلابة ما لم يرتكز إلى قواعد شرعية معترف بها دوليًا، ومعالجة جوهر المسألة السياسية لا مظاهرها فقط. وبينما تتنافس قوى عدة على رسم ترتيبات المرحلة المقبلة، تختار سلطنة عُمان مسارًا يوازن بين الحضور والحذر، وبين قراءة موازين القوة وصون المرجعية القانونية.
في لحظة يُعاد فيها تشكيل بعض ملامح النظام الدولي، لا تبحث سلطنة عُمان عن دور صاخب، إنما عن تأثير طويل الأمد، فهي تدرك أن إعادة البناء دون إعادة تعريف القواعد لن تنتج استقرارًا، وأن الشرعية ليست عنصرًا تكميليًا بل شرطًا تأسيسيًا. ومن هنا، فإن تموضعها داخل مجلس السلام يعكس رؤية دولة تسعى إلى حماية الإطار قبل إدارة التفاصيل، وتثبيت المبدأ قبل تسريع الإجراء.
فالدول التي تُجيد إدارة اللحظة قد تربح جولة، أما الدول التي تُجيد هندسة الاتزان فتصوغ مستقبل المرحلة، وسلطنة عُمان من هذا الطراز الذي لا يكتفي بقراءة التحولات، بل يضبط إيقاعها واتزانها.




























