الصحوة – علي الحداد
في لحظةٍ إقليميةٍ تتكاثف فيها التعقيدات، وتتقاطع فيها رهانات القوة مع استحقاقات القانون، تتقدم سلطنة عُمان بثباتٍ مدروس، واضعةً ثوابتها السيادية ومرجعيتها القانونية في صدارة أي موقف أو تحرك. ليس ذلك اندفاعًا سياسيًا، وإنما تعبيرٌ متجذر عن رؤيةٍ متكاملة تعتبر الشرعية الدولية أساس الاستقرار، وترى في احترام السيادة حجر الزاوية في بناء نظامٍ إقليمي متوازن.
وجاءت البيانات الصادرة عن وزارة الخارجية لتؤكد هذا النسق الواضح، رافضةً التصريحات الصادرة عن سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، والتي انطوت على قبولٍ غير مشروع لفرض السيطرة على أراضٍ عربية، بما في ذلك الأرض الفلسطينية المحتلة. فالمسألة، في جوهرها، ليست سجالًا سياسيًا، وإنما دفاعٌ عن مبدأٍ قانوني راسخ، لا شرعية لاحتلال، ولا مشروعية لضمٍّ أو سيطرة تُفرض خارج إطار القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وأعادت سلطنة عُمان تأكيد موقفها الثابت الداعم لحق الشعب الفلسطيني غير القابل للتصرف في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وإنهاء الاحتلال لجميع الأراضي العربية. إنه موقفٌ يتجاوز التعبير الدبلوماسي إلى التزامٍ أخلاقي وسياسي، يربط بين العدالة والسلام، ويعتبر أن أي مسارٍ يتجاوز هذه الأسس إنما يضعف فرص التسوية ويزيد من هشاشة الاستقرار.
وقد تلاقت مواقف عددٍ من الدول العربية والإسلامية والمنظمات الإقليمية في بيانٍ مشترك عبّر عن قلقٍ بالغ إزاء خطورة تلك التصريحات، مؤكدًا أن محاولات شرعنة السيطرة على أراضي الغير تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، وتهديدًا مباشرًا لأمن المنطقة. وشدد البيان على رفض أي محاولات لضمّ الضفة الغربية أو فصلها عن قطاع غزة أو توسيع الأنشطة الاستيطانية، لما لذلك من آثارٍ تُفاقم التوتر وتُبعد أفق الحل الشامل.
وفي سياقٍ موازٍ، برز الاتساق ذاته في موقف سلطنة عُمان من مسألة الإحداثيات والخارطة المودعة من قبل جمهورية العراق لدى الأمم المتحدة، والتي تضمّنت مساسًا بسيادة دولة الكويت على مناطقها البحرية ومرتفعاتها المائية. فجاءت مسقط واضحةً في تضامنها مع الكويت بشأن سيادتها على كامل مناطقها البحرية، داعيةً إلى الاحتكام لمبادئ حسن الجوار وقواعد القانون الدولي، وفي مقدمتها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، والالتزام بالتفاهمات والاتفاقيات الثنائية القائمة بين البلدين الشقيقين.
وتعزز هذا التوجه عبر الاتصال الهاتفي الذي جرى بين معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، ومعالي الدكتور فؤاد حسين، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير خارجية جمهورية العراق، حيث أكد الجانبان أهمية معالجة الخلافات بالوسائل السلمية والحوار البنّاء، بما يسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار وتحقيق تطلعات شعوب المنطقة نحو التنمية والازدهار.
أما على الصعيد الدولي، فقد أعلن معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية:
“ أن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران ستعقد الآن في جنيف يوم الخميس المقبل، مع بذل جهد إيجابي لبذل المزيد من الجهد نحو إتمام الاتفاق.”
إن قيادة معالي السيد وزير الخارجية، لهذه المفاوضات تمثل امتدادًا لدورٍ عُماني متراكم في تقريب وجهات النظر، وإدارة المسارات المعقدة بروحٍ من الحكمة والصبر الاستراتيجي. فهو رجل الدولة الذي يجمع بين دقة القراءة السياسية وهدوء الأداء، ويؤمن بأن تقليص فجوات الخلاف خطوةً بعد أخرى هو السبيل الواقعي نحو اتفاقاتٍ مستدامة. وإذا ما أفضت هذه الجولة إلى صيغةٍ نهائية، فستكون ثمرة جهدٍ دؤوبٍ يقوده بعقلٍ راجحٍ ومسؤوليةٍ تاريخية، وإن تطلّب المسار مزيدًا من التدرج، فإن مجرد إبقاء قنوات الحوار مفتوحة يُعد إنجازًا في بيئةٍ دوليةٍ مثقلةٍ بالتوترات.
في مجمل هذه المحاور، تتبدّى ملامح السياسة العُمانية بوصفها منظومةً متكاملة .. ثباتٌ في المبادئ، احترامٌ صارم للسيادة، انحيازٌ واضح للشرعية الدولية، وانفتاحٌ دائم على الحوار كخيارٍ استراتيجي. فهي لا تفصل بين دعم الحقوق الفلسطينية، وصون سيادة الدول الخليجية، ورعاية التفاهمات الدولية، وإنما تنظر إليها حلقاتٍ في سلسلةٍ واحدة عنوانها الاستقرار العادل.
وهكذا، تواصل عُمان أداء دورها كقوة اتزانٍ إقليمي، تحرس القانون حين يُساء تأويله، وتدعو إلى الحوار حين تتعقّد المسارات، وتُذكّر بأن السلام الحقيقي لا يُفرض بقوة الأمر الواقع، وإنما يُبنى على الاعتراف المتبادل بالحقوق، وصون السيادة، وإرادة سياسية ترى في الاستقرار مسؤوليةً مشتركة لا مكسبًا ظرفيًا.




























