حصريٌّ لـ«الصحوة» – مع أول رشفة قهوة بعد أذان المغرب، يستعيد كثيرون طقسًا يوميًّا ارتبط لديهم بالسكينة أو اليقظة أو حتى استكمال السهرة الرمضانية. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه في شهر تتبدّل فيه مواعيد الطعام والنوم: هل كل توقيت للقهوة مناسب بعد ساعات الصيام الطويلة؟ ومتى تتحوّل من عادة محبّبة إلى عبءٍ فسيولوجي على الجسم؟
تشير الأدبيات الطبية إلى أن المكوّن الفعّال في القهوة، وهو الكافيين، يعمل منبّهًا للجهاز العصبي المركزي، ويرفع مستويات اليقظة والتركيز، لكنه في المقابل يحفّز إفراز أحماض المعدة، وقد يؤثر في امتصاص بعض المعادن مثل الحديد والكالسيوم عند تناوله مباشرة بعد الوجبات. وتوصي الهيئات الصحية بألّا يتجاوز الاستهلاك اليومي للكافيين لدى البالغين الأصحاء نحو 400 ملغم يوميًّا، وهو ما يعادل تقريبًا 4 إلى 5 أكواب قهوة متوسطة، تجنّبًا لأعراض مثل الأرق، وتسارع ضربات القلب، والقلق، واضطرابات النوم.
🔹اللحظة الحرجة: بعد الإفطار مباشرة
في رمضان، يكون الجهاز الهضمي قد أمضى ساعات طويلة دون طعام أو شراب. وعند الإفطار، يبدأ الجسم بإعادة تنشيط عمليات الهضم وامتصاص المغذيات. هنا تكمن الإشكالية: شرب القهوة فورًا بعد تناول وجبة الإفطار، خاصة إذا كانت دسمة أو غنية بالدهون، قد يزيد من إفراز أحماض المعدة، ما يرفع احتمالية الشعور بالحموضة أو ارتجاع المريء أو الانتفاخ. ويزداد هذا الأثر لدى من يعانون أصلًا من التهابات المعدة أو القولون العصبي أو القرحة.
كما أن تناول القهوة بالتزامن مع الطعام قد يحدّ من امتصاص بعض العناصر المهمة، وفي مقدمتها الحديد، وهو عنصر حيوي يحتاجه الجسم لتعويض النقص المحتمل بعد ساعات الصيام.
🔹الجفاف والنوم.. زاويتان لا تقلان أهمية
رغم أن القهوة ليست سببًا مباشرًا للجفاف الحاد، فإن للكافيين تأثيرًا مُدرًّا للبول، ما يعني زيادة طرح السوائل. وفي شهر يحتاج فيه الصائم إلى تعويض ما فقده من سوائل خلال النهار، فإن الإكثار من القهوة دون تعويض كافٍ بالماء قد يضعف توازن السوائل في الجسم، خصوصًا في الأجواء الحارة.
أما من زاوية النوم، فالكافيين قد يبقى في الجسم بين 4 إلى 8 ساعات، وقد يطول تأثيره لدى بعض الأشخاص تبعًا لحساسيتهم الفردية. لذلك، فإن تناول القهوة في وقت متأخر من الليل قد يضعف جودة النوم، ويؤدي إلى تعب في اليوم التالي، ما ينعكس على القدرة على الصيام بنشاط.
🔹متى تصبح القهوة عبئًا؟
يمكن القول إن القهوة تتحوّل إلى عبءٍ في رمضان في ثلاث حالات رئيسية:
– عند تناولها فورًا بعد الإفطار دون منح الجهاز الهضمي فرصة لبدء الهضم.
– عند الإفراط في الكمية بما يتجاوز الحدّ الآمن من الكافيين يوميًّا.
– عند شربها في وقت قريب من النوم، بما يؤثر في الراحة الليلية.
في المقابل، تشير الدراسات إلى أن الاستهلاك المعتدل للقهوة لدى البالغين الأصحاء يرتبط بفوائد محتملة، من بينها تحسين الانتباه والمزاج، بل وربطته أبحاث بانخفاض مخاطر بعض الأمراض المزمنة عند تناوله باعتدال. غير أن هذه الفوائد لا تُلغي أهمية التوقيت والكمية، خاصة في سياق الصيام.
🔹التوقيت الأمثل.. قاعدة بسيطة
ينصح مختصون بالانتظار ما بين 30 إلى 60 دقيقة على الأقل بعد الإفطار قبل شرب القهوة، ويفضَّل أن تكون بعد هضم أولي للطعام، مع الحرص على شرب كميات كافية من الماء. كما يُستحسن تجنّبها قبل النوم بساعات كافية لضمان نوم متوازن.
ويمكن القول إن القهوة في رمضان ليست عدوًّا للصائم، لكنها أيضًا ليست دائمًا خيارًا حياديًّا. بين متعة الطقس الاجتماعي وضرورات التوازن الصحي، تبقى القاعدة الذهبية واضحة: الاعتدال في الكمية، وحسن اختيار التوقيت، ومراعاة الحالة الصحية الفردية. عندها فقط تبقى القهوة رفيقًا لطيفًا لأمسيات رمضان، لا عبئًا صامتًا على الجسد.



























