الصحوة – علي الحداد
ليست كلُّ الأزمات سواء، فبعضها يختبر الأعصاب، وبعضها يختبر المواقف، وقليلٌ منها يمتحن جوهر الدولة ذاتها. وحين اندلعت الحرب الإسرائيلية الأمريكية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لم يكن الأمر مواجهةً عسكريةً فحسب، إنما ارتجاجًا عميقًا في بنية الإقليم، واحتمالَ انزلاقٍ قد يعيد رسم توازناته على نحوٍ تتجاوز تداعياته حدوده الجغرافية إلى الاقتصاد العالمي وأمن الممرات البحرية ومصائر الشعوب.
في مثل هذه اللحظات، يتقدّم سؤالٌ واحد : من يمسك بالبوصلة؟
من مسقط، لم يصدر موقفٌ طارئ، بل صدر مبدأ. أكّد معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، أن باب الدبلوماسية لا يزال مفتوحًا، وأن الحرب مهما اتسعت لا ينبغي أن تُطفئ جذوة السلام. لم تكن عبارةً للتطمين، ولا مجاملةً للظرف، إنما تثبيتًا لقاعدةٍ سياسيةٍ متجذرة في العقل الدبلوماسي العُماني .. أن التفاوض ليس محطةً عابرة بين صراعين، بل المسار الأجدر بحماية الاستقرار.
الإشارة إلى التقدم الذي أحرزته محادثات جنيف نحو اتفاقٍ غير مسبوق بين طهران وواشنطن لم تكن استدعاءً لذكرى، إنما استحضارًا لإمكانيةٍ قائمة. فحين يُثبت المسار التفاوضي قابليته للحياة، لا يُلغيه التصعيد، بل يضاعف الحاجة إليه. ذلك فهمٌ استراتيجي دقيق، إذ إن الحروب، مهما بدت محدودة في مسرحها، تتسع آثارها في الاقتصاد العالمي، وفي أمن الممرات البحرية، وفي بنية الردع الإقليمي.
ومن هنا جاءت الدعوة إلى استئناف المحادثات في أقرب وقت، بدلا من استمرار الصراع المسلح، باعتبارها خطوةً تُجنّب المنطقة تراكم الأخطاء، وتحفظ للعالم توازنه في لحظةٍ تتكاثر فيها احتمالات الانزلاق.
غير أن الكلمة، مهما سمت، لا تكتمل دون حركة. لذلك تحرّكت الدبلوماسية العُمانية في دوائر متوازية، عبر اتصالاتٍ مكثفة مع وزراء خارجية الدول الشقيقة والصديقة، لتبادل التقدير المشترك للمخاطر، وبحث سبل احتواء التصعيد المتصاعد. وفي تواصله مع أنطونيو غوتيريش، لم يكن الحديث عن الأزمة توصيفًا، بل مقاربةً لاحتوائها ضمن إطارٍ يحترم القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
عبّر معالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي، وزير الخارجية، عن قلق سلطنة عُمان إزاء الهجمات التي طالت دول مجلس التعاون وعددًا من الدول العربية، مؤكدًا أن احترام سيادة الدول، وضبط النفس، ووقف العمليات العسكرية، ومعالجة جذور الصراع، ليست شعاراتٍ مرحلية، بل شروطًا لازمة لأي استقرارٍ مستدام. كان الخطاب محكم البناء، خاليًا من الانفعال، مرتكزًا إلى فهمٍ عميق بأن الأمن لا يُصان بتوسيع المواجهة، بل بإغلاق أبوابها.
وفي خلفية هذا الحراك، تحلّق مصيرة. الطائرة التي أقلّت معالي السيد وزير الخارجية قائد المفاوضات الإيرانية الأمريكية بين أوروبا وواشنطن، دلالةٌ على حركة دولةٍ تعرف أن الحضور في مراكز القرار جزءٌ من صون التوازن. وكما أقلّت سلطانة في القرن التاسع عشر وفد السلطان سعيد بن سلطان البوسعيدي إلى نيويورك، معلنةً انفتاح عُمان على عالمٍ ناشئ، تعبر مصيرة اليوم القارات لتؤكد أن ذلك الانفتاح لم يكن لحظةً تاريخية، بل نهجًا ممتدًا للدولة البوسعيدية العمانية.
من أشرعةٍ تشقّ الأطلسي إلى أجنحةٍ تعبر سمائه، تتبدّل الوسائل ويبقى الجوهر : دولةٌ تمارس حضورها بوعي، وتتحرك بثقة، وتزن خطواتها بميزانٍ لا يميل مع الريح. ليست المسألة انتقالًا جغرافيًا، إنما امتدادًا تاريخيًا، حضورٌ يتجدد دون أن يتبدل في معناه.
ومعالي السيد البدر البوسعيدي يتقدّم في هذا السياق بوصفه عقلًا سياسيًا راسخًا، يجسّد اتزان القيادة الهيثمية للدولة البوسعيدية وهي تُدير أعقد ملفات العصر. لا يتحرك بردّة فعل، بل برؤيةٍ استراتيجية بعيدة المدى. لا يُعرّف نفسه بالموقع، بل بالمقدرة على قراءة التحولات، واستشراف مآلاتها، وإعادة صياغة المسارات الممكنة. في أدائه، تتجلى هيبة الدولة لا في حدّتها، بل في عمقها، لا في ضجيجها، بل في أثرها.
إن الإمساك بخيط التوازن في زمن الاستقطاب ليس مهمةً يسيرة. أن تُبقي باب الحوار مفتوحًا وأنت تُدرك حجم الرياح المعاكسة، هو فعلُ ثقةٍ بالدولة وبقدرتها على التأثير. وأن تُصرّ على أن السلام لم يُستنفد، هو إيمانٌ بأن السياسة، حين تُدار بعقلٍ مؤسسي، قادرةٌ على تحويل المنعطف إلى معبر.
وهكذا، بين كلمةٍ تُرسّخ المبدأ، وحركةٍ تُجسّد الإرادة، ورحلاتٍ تحمل الرؤية إلى عواصم القرار، يتشكّل مشهدٌ عُمانيٌّ مكتمل المعنى. مصيرة تحلّق في سماء الحاضر، وسلطانة شاهدةٌ في سجل التاريخ، وبينهما دولةٌ تتقدّم أمام العاصفة، لا لتتحدّاها بضجيجٍ عابر، بل لتُعيد رسم إيقاعها بميزان السيادة، وتكتب بهدوءٍ واثق فصلًا جديدًا من تاريخها الدبلوماسي والسياسي المتجدد.




























