الصحوة – علي الحداد
ليست الأوطانُ سواءً حين تضيقُ الأرضُ بأهلها،
وتضطربُ البوصلةُ في يدِ العالم،
وتعلو في الأفق نُذرُ مواجهةٍ لا تُحمد عواقبها.
في مثل هذه اللحظات، لا تُقاس الدولُ بمساحاتها، بل برسوخها.
ولا تُعرَف بحدّة خطابها، بل بقدرتها على إحكام الاتجاه.
وهنا تتبدّى سلطنة عُمان.
لا بوصفها مساحةً على خارطة،
بل بوصفها ميزانًا حين يختلّ الميزان.
عندما ترتفع النبرات، وتتقدّم لغةُ التصعيد على لغة التعقّل،
تبقى مسقط ثابتةً كأنها تحفظ سرّ العبور بين العواصف:
أن الاتزان سيادة،
وأن الحكمة شرطُ بقاء.
عُمان لا تلوذ بالعاصفة، بل تُهذّب اتجاهها.
ولذلك، حين اشتدّت الاضطرابات في الإقليم،
وباتت بعض العواصم المجاورة على تماسٍّ مباشر مع ارتدادات الحرب،
اتجهت القلوب قبل الطائرات نحو عُمان.
من مدنٍ أوروبيةٍ يقيم أهلها على مقربةٍ من بؤر التوتر،
ومن جنسياتٍ شتّى تبحث عن فسحة يقين،
كان المقصد واضحًا .. مسقط.
وعلى المعابر البرية، كانت السيارات تصل تباعًا،
وجوهٌ أنهكها الترقّب، وأعينٌ تبحث عن حدٍّ يفصل بين الخوف والطمأنينة.
لم يكن العبور انتقالًا جغرافيًا فحسب، إنما تحوّلًا من ضيق الاحتمال إلى سعة الاطمئنان.
هناك، يصبح الوطن حضنًا لا سؤالًا،
ويغدو الأمان مسؤوليةً تُمارس، لا عبارةً تُقال.
لم يبحثوا عن حيادٍ بارد،
بل عن دولةٍ راسخة البصيرة.
لم يطلبوا غياب الصوت،
بل حضور الطمأنينة في صورة نظامٍ يحمي ووجوهٍ تطمئن.
وفي قلب هذه الرؤية يقف حضرة صاحب الجلالة السُّلطان
هيثم بن طارق حفظه الله ورعاه،
قائدًا رسّخ مفهوم الدولة التي تؤثّر بثبات،
وتحضر بعمق،
وتقرأ المشهد بعينٍ تتجاوز اللحظة إلى ما بعدها.
في عهده، لم تكن الدبلوماسيةُ مناورةً ظرفية،
بل ركيزةً أصيلةً في بنية القرار.
دبلوماسيةٌ لا تنتظر اشتعال النار،
بل تسعى إلى تجفيف منابعها.
ومن هذا العمق، تتجلّى أيقونة الدبلوماسية العُمانية،
معالي السيد
بدر بن حمد البوسعيدي،
الذي أصبح حضوره في المحافل الدولية عنوانًا للاتزان حين تتقاطع الإرادات.
يقود المفاوضات بعقلٍ يُحسن ترتيب الأولويات،
ويقارب المسافات حين تتباعد،
ويفتّش في أعقد الملفات عن نقطة التقاء قابلة للحياة،
مؤمنًا بأن مهمة الوسيط الأمين ليست تثبيت الخلاف، بل فتح أبواب الحل.
وفي مشهدٍ دوليٍّ تتنازعُه الحساباتُ الحادّة،
اختارت عُمان مسارًا مغايرًا.
في عالمٍ يتصارع على النفوذ، اختارت عُمان أن تتفوّق بالاتزان.
وهنا يكمن جوهر حضورها.
ليست دولةً على هامش الأحداث،
ولا ظلًّا لغيرها،
بل مركزَ ثقلٍ يُلجأ إليه حين تتعقّد المسارات.
أما الداخل العُماني، فهو الامتداد الطبيعي لهذا النهج.
الضيافة ليست مجرّد تقليد،
بل ثقافة مجتمع.
الكرم ليس استعراضًا،
بل سجيّة.
والانفتاح ليس مجاملة عابرة،
بل ثقةٌ راسخةٌ بالذات.
حين يصل القادمُ من ثقافةٍ أخرى،
يجد في العُماني إنسانًا قبل أن يجد مواطنًا.
يجد وجهًا يطمئنه،
وبيئةً تصون كرامته،
ودولةً تحميه دون أن تُثقل عليه بسؤال.
ولهذا، لم تكن عُمان ملاذًا مصادفة،
بل ثمرة نهجٍ ممتد عبر الزمن.
عُمان ليست ملاذًا عند الاضطراب فحسب، بل مرجعيةٌ حين يختلّ التقدير.
عُمان لا تبحث عن دورٍ عابر،
لأن دورها يتشكّل في اللحظات المفصلية.
ولا تسعى إلى ضوءٍ إعلامي،
لأن أثرها يُقاس باستقرارٍ يتحقق، لا بتصفيقٍ يُسمع.
وهكذا تبقى، بقيادتها، ودبلوماسيتها، وشعبها:
جسرًا حين تتكسّر الجسور،
ومساحةَ التقاء حين تضيق الطاولات،
وميناءً للطمأنينة في بحرٍ تتلاطم أمواجه.
لأنها لم تُرِد أن تكون أعلى صوتًا،
بل أن تبقى ميزانًا .. مهما اختلّ العالم.





























