الصحوة – علي الحداد
نادراً ما تختبر الأزمات الكبرى قدرة الدول على الحفاظ على اتزانها السياسي كما يحدث في لحظات التصعيد الإقليمي الحاد، حيث تتداخل حسابات القوة وتتسارع التطورات على نحوٍ يجعل الحكمة السياسية أكثر ضرورة من أي وقت مضى.
في منعطفٍ إقليميٍ تتشابك فيه حسابات القوة وتلقي الأزمات بظلالها الثقيلة على الجغرافيا السياسية، تتحرك سلطنة عُمان بهدوئها التاريخي المعهود، لا بوصفها طرفًا في صراعٍ متسارع، إنما باعتبارها قوةً سياسيةً أخلاقية ترى في الاستقرار الإقليمي مسؤوليةً مشتركة، وفي السلام خيارًا استراتيجيًا لا خيارًا هامشيًا في معادلات السياسة.
فالسياسة العُمانية لم تكن يومًا استجابةً عابرة لظروف اللحظة، بل هي نهجٌ متكامل يستلهم توجهاته من الرؤية الحكيمة للموجّه الأول للسياسة الخارجية العُمانية، حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – الذي يواصل ترسيخ مدرسةٍ سياسية تقوم على الاعتدال، واحترام القانون الدولي، وتعزيز التوازنات الإقليمية، ومدّ جسور الحوار بين الأمم، إيمانًا بأن الاستقرار لا يُبنى في ساحات المواجهة بل في مساحات التفاهم.
ومن هذا الإطار الاستراتيجي الذي ترسمه القيادة الحكيمة لجلالته، تتجلى الحركة الدبلوماسية العُمانية اليوم في نشاطٍ مكثف يتقدمه معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية، أحد أعمدة السياسة والدبلوماسية العالمية المعاصرة، الذي عُرف بحكمته السياسية وحنكته في إدارة الملفات الإقليمية المعقدة، وبقدرته على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة حتى في أكثر اللحظات توتراً، مستندًا إلى تقاليد عُمانية راسخة في إدارة الأزمات، وإلى خبرة سياسية تدرك أن اللحظات التي يعلو فيها صوت السلاح تحتاج إلى حضورٍ سياسي رصين يعيد ضبط إيقاع التوازن في المشهد الإقليمي.
ويأتي هذا التحرك العُماني في سياق إقليمي بالغ الحساسية، بعد أن دخلت المنطقة مرحلة تصعيد خطير على خلفية الحرب والاعتداءات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهي تطورات فتحت أبواب المنطقة أمام احتمالات واسعة من التوتر وعدم الاستقرار. وقد أدى هذا التصعيد العسكري إلى توسيع نطاق المواجهة، حيث ردّت إيران بسلسلة من العمليات التي امتدت آثارها إلى محيطها الإقليمي، بما في ذلك استهداف دول الخليج، الأمر الذي زاد من تعقيد المشهد الأمني وأثار مخاوف جدية من اتساع رقعة الصراع.
غير أن هذا التوسع في العمليات العسكرية حمل في طياته إشكالية سياسية وأمنية بالغة الحساسية، إذ إن دول الخليج التي طالتها تداعيات الضربات الإيرانية كانت قد أعلنت بوضوح رفضها للحرب منذ بدايتها، وأكدت أنها لا ترغب في أن تكون أراضيها أو أجواؤها منصة لأي عمل عسكري ضد إيران. ولذلك بدا أن امتداد العمليات إلى هذه الدول يمثل خطأً استراتيجيًا مؤسفًا أسهم في نقل أصداء الحرب إلى فضاءٍ إقليمي كان يسعى في الأساس إلى تجنيب المنطقة شرارة المواجهة، وزاد من القلق إزاء احتمالات انزلاق الصراع إلى دائرة أوسع يصعب احتواؤها.
وفي ظل هذه التطورات المتسارعة، برزت الحاجة الماسة إلى مبادرةٍ سياسية متزنة قادرة على استعادة قدرٍ من التوازن للمشهد الإقليمي، وهو الدور الذي سعت سلطنة عُمان إلى الاضطلاع به انطلاقًا من مسؤوليتها الإقليمية ومن رصيدها المعروف في الوساطة وبناء مسارات التهدئة.
ولم يكن هذا الدور الذي تضطلع به سلطنة عُمان اليوم وليد اللحظة أو استجابةً ظرفية لتداعيات الأزمة الراهنة، بل هو امتدادٌ لفلسفةٍ سياسيةٍ راسخة في نهج الدولة العُمانية، التي عُرفت عبر تاريخها الحديث بدبلوماسيتها الهادئة وقدرتها على بناء الجسور بين الأطراف المتباعدة. فقد رسّخت عُمان على مدى عقود حضورها كوسيطٍ موثوق في العديد من الملفات الإقليمية والدولية، مستندةً إلى رصيدٍ من الثقة والمصداقية واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. ومن خلال هذا النهج المتزن أسهمت الدبلوماسية العُمانية في تخفيف حدة التوترات وفتح قنوات للحوار في لحظاتٍ كان فيها التواصل بين الأطراف المتخاصمة شبه مستحيل، الأمر الذي جعل من مسقط مساحةً للحوار وملتقىً للدبلوماسية حين تتعثر المسارات التقليدية.
وفي هذا السياق، شارك معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي عبر الاتصال المرئي في الاجتماع الوزاري الاستثنائي الخمسين للمجلس الوزاري لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي عُقد برئاسة معالي الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني وزير خارجية مملكة البحرين رئيس الدورة الحالية للمجلس الوزاري، وبحضور أصحاب السمو والمعالي وزراء خارجية دول المجلس ومعالي الأمين العام لمجلس التعاون.
وخلال الاجتماع، جددت سلطنة عُمان تضامنها مع أشقائها في دول مجلس التعاون فيما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها واستقرارها في ظل هذه الظروف الدقيقة، مؤكدة أن أمن الخليج واستقراره يمثلان مسؤولية جماعية لا تقبل التجزئة. كما شدد معالي السيد وزير الخارجية على أهمية مواصلة العمل الجماعي وتكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية لوقف الحرب الدائرة في المنطقة ومعالجة أسبابها وتداعياتها الخطيرة.
ولأن الدبلوماسية العُمانية تدرك أن إدارة الأزمات الإقليمية تتطلب تواصلاً واسع النطاق مع مختلف القوى الدولية، فقد عقد معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي لقاءً مع سفراء دول الاتحاد الأوروبي المعتمدين لدى سلطنة عُمان، حيث عرض رؤية السلطنة تجاه التطورات الراهنة، مؤكدًا أن وقف العمليات العسكرية يمثل الأولوية القصوى لاستعادة الأمن والاستقرار وفتح المجال أمام الجهود السياسية.
وفي موازاة ذلك، تتواصل الاتصالات الدبلوماسية التي يقودها معالي السيد وزير الخارجية مع نظرائه في الدول الشقيقة والصديقة، حيث عبّر بوضوح عن موقف سلطنة عُمان الداعي إلى وقف الحرب والعودة إلى الحوار والتفاوض بوصفهما السبيل الوحيد لإيجاد حلول حكيمة ومستدامة تكفل تحقيق الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة.
وقد عبّر عدد من الوزراء في الدول الشقيقة والصديقة عن مواقف مماثلة تدعو إلى خفض التصعيد وضبط النفس، معربين عن قلقهم البالغ إزاء استمرار العمليات العسكرية وما قد تحمله من تهديدات جسيمة للسلم والأمن الإقليمي والدولي، فضلًا عن تداعياتها الإنسانية والسياسية والاقتصادية.
وفي رسالةٍ تختزل روح هذا النهج الدبلوماسي، توجه معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي عبر منصة إكس إلى الأعداد الكبيرة من الأشخاص الذين تواصلوا مع سلطنة عُمان من مختلف أنحاء العالم، مؤكدًا تقدير السلطنة للدعم الذي أبدوه لجهودها الرامية إلى وقف الحرب. وقال معاليه إن عُمان، معززةً بهذا التضامن الدولي، تعيد التأكيد على دعوتها لوقف إطلاق النار الفوري والعودة إلى الدبلوماسية الإقليمية المسؤولة، مشيرًا بعبارةٍ بليغة إلى أن هناك “ممرات جانبية متاحة” للحلول السياسية، في إشارةٍ إلى أن الأزمات مهما تعقدت تظل قابلة للحل متى ما توافرت الإرادة السياسية.
وبالتوازي مع هذا الحراك السياسي والدبلوماسي، واصلت وزارة الخارجية العُمانية أداء مسؤولياتها الوطنية تجاه المواطنين العُمانيين في ظل هذه الظروف الاستثنائية، حيث عملت بالتنسيق مع الجهات المعنية داخل السلطنة ومع دول مجلس التعاون والسفارات العُمانية في الخارج على تنفيذ ترتيبات دقيقة لتيسير عودة المواطنين إلى أرض الوطن عبر المنافذ البرية ضمن آلية منظمة تكفل سلامتهم وانسيابية انتقالهم. وقد وصلت بالفعل دفعة جديدة من المواطنين إلى أرض الوطن بسلام بعد استكمال إجراءات انتقالهم وفق الخطة المعتمدة، فيما تتواصل الجهود على مدار الساعة لتسهيل عودة بقية المواطنين تباعًا.
وفي سياق التضامن الخليجي الذي يمثل أحد الركائز الراسخة في السياسة العُمانية، أعربت وزارة الخارجية عن خالص تعازي سلطنة عُمان وصادق مواساتها لدولة الكويت الشقيقة في استشهاد اثنين من منتسبي الجيش الكويتي أثناء أدائهما مهامهما الوطنية، مؤكدة تضامن السلطنة الكامل مع دولة الكويت ودعمها لكل ما تتخذه من إجراءات لصون سيادتها وحفظ أمنها واستقرارها.
وهكذا، وبينما تتسع دوائر الصراع في المنطقة وتتشابك حسابات القوى الكبرى، تواصل سلطنة عُمان أداء دورها التاريخي كمرجعيةٍ للاتزان السياسي ومساحةٍ مفتوحة للحوار. دبلوماسيةٌ تستلهم رؤيتها من توجيهات حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – وتتجسد في الجهد المتواصل الذي يتقدمه معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، في مسعىٍ صادق لإبقاء أبواب التفاهم مفتوحة أمام المنطقة والعالم.
ففي مرحلةٍ تتسع فيها دوائر الصراع، تبقى سلطنة عُمان مؤمنةً بأن الحكمة ليست نقيض القوة .. بل أرفع صور إدارتها.


























