حصريٌّ لـ«الصحوة» – في أعلى المشهد الهادئ لولاية إبراء، وعلى موضعٍ جبلي يطلّ على جانب من تضاريسها القديمة، يقف مسجد ذو القبلتين بوصفه واحدًا من أكثر المعالم الدينية والتراثية إثارة للاهتمام في محافظة شمال الشرقية؛ ليس بسبب اتساع بنائه أو زخرفته، بل لأن قيمته الحقيقية كامنة في ما يحمله من ذاكرة محلية ورمزية دينية وتاريخية جعلته حاضرًا في وجدان الأهالي وفي السردية الثقافية للولاية على حدّ سواء. فهذا المسجد، المعروف أيضًا في بعض الروايات باسم مسجد العقبة، يُستدلّ به على خصوصية إبراء التاريخية، ويُشار إليه بوصفه معلمًا ارتبط بفكرة تعدد اتجاه القبلة داخل بيت الصلاة، وهي الخصوصية التي منحت المكان فرادته وأبقته موضع اهتمام الزوار والباحثين والمهتمين بالتراث العُماني.
وإذا كان الاسم وحده كافيًا لإثارة فضول القارئ، فإن ما يرسّخ مكانة المسجد أكثر هو موقعه ضمن المشهد التراثي لإبراء، حيث يعد أحد المواقع السياحية والدينية المعروفة في الولاية، ويتميز بوجود قبلتين داخل المسجد، إحداهما باتجاه المسجد الأقصى، والأخرى باتجاه مكة المكرمة. وهذه الخصوصية لا تمنح المكان بعدًا معماريًا فحسب، بل تضيف إليه بعدًا معرفيًا وروحيًا، إذ يتحول المسجد من مجرد بناء قديم إلى شاهدٍ على طبقة من الذاكرة الدينية التي لا تزال حاضرة في الوعي الشعبي المحلي.

أما من الناحية المعمارية، فإن بناء المسجد يكشف عن ملامح بناء بسيط ومتماسك، يقوم على هيئة متقشفة تنسجم مع كثير من أنماط المساجد العُمانية التقليدية في الداخل. فلا قباب بارزة ولا منائر شاهقة، بل كتلة صغيرة تستند إلى البيئة المحيطة بها، وتنهض من الحجر المحلي في مشهدٍ يوحي بالهدوء والرسوخ. وتلك البساطة ليست عنصر نقص، بل واحدة من خصائص العمارة الدينية العُمانية القديمة التي عُرفت في كثير من نماذجها بالاقتصاد في الزينة، والتركيز على الوظيفة التعبدية، والانسجام مع طبيعة المكان ومواده. كما أن مساحة المسجد من الداخل تبدو صغيرة، ويضم موضعين دالين على اتجاهين مختلفين، في استحضار مباشر لسبب تسميته.
ويمكن القول إن مسجد ذو القبلتين في إبراء لا يستمد أهميته من حجمه أو من تفاصيله المعمارية فحسب، بل من الحكاية التي يحملها بين جدرانه ومن حضوره العميق في ذاكرة المكان. فهو معلمٌ يجمع بين البساطة والرمزية، ويختصر جانبًا من علاقة المجتمع العُماني بمساجده القديمة التي شكّلت عبر الزمن مراكز للعبادة والالتقاء الاجتماعي والهوية المحلية. وبين صمت الحجارة وهدوء الموقع الجبلي الذي يحتضنه، يظل المسجد شاهدًا على طبقات من التاريخ والذاكرة، ومعلَمًا صغيرًا في بنائه، كبيرًا في دلالته، يواصل رواية جزء من سيرة إبراء وتراثها العريق للأجيال المتعاقبة.


























