حصريٌّ لـ«الصحوة» – في صباحٍ تزيّنه شعائر الفرح وتكتمل فيه ملامح البهجة، أدّى حضرةُ صاحبِ الجلالةِ السُّلطان هيثم بن طارق المعظّم – حفظهُ اللهُ ورعاه – صلاةَ عيد الفطر السعيد في مسجد الخور بمحافظة مسقط، في مشهدٍ يعيد إلى الواجهة واحدًا من أبرز المعالم الدينية والتاريخية في سلطنة عُمان، مسجدًا لا يختزل في كونه مكانًا للصلاة فحسب، بل يمتد حضوره ليحمل ذاكرة وطنٍ وسردية تاريخٍ عميق الجذور.
يقع مسجد الخور في قلب مسقط القديمة، بمحاذاة قصر العلم العامر، وبين قلعتي الجلالي والميراني، في موقعٍ يختزن رمزية السيادة ومركز الحكم عبر العصور. هذا الموقع الاستثنائي لم يكن اختيارًا عابرًا، بل يعكس ارتباط المسجد المباشر بمسار الدولة العُمانية، حيث ظل شاهدًا على تحولات سياسية وتاريخية متعاقبة، جعلت منه معلمًا يتجاوز البعد الديني إلى فضاء أوسع من الدلالات الوطنية.
ويحمل المسجد اسمًا آخر ارتبط بذاكرة المكان، إذ كان يُعرف سابقًا بـ”مسجد الشهداء”، في إشارة إلى أحداث تاريخية تعود إلى فترة الصراع مع الوجود البرتغالي في مسقط خلال القرن السابع عشر. ففي تلك المرحلة، سقط عدد من المقاتلين العُمانيين أثناء معارك الدفاع عن المدينة، وأُقيمت عليهم صلاة الجنازة في هذا الموقع، ليحمل المسجد منذ ذلك الحين دلالة رمزية توثّق تضحيات أبناء الوطن في سبيل تحرير أرضهم.
ورغم عدم وجود تاريخ دقيق لبداية تشييد المسجد، إلا أن المؤشرات التاريخية ترجّح أن الموقع كان يحتضن مسجدًا قائمًا قبل دخول البرتغاليين إلى مسقط في مطلع القرن السادس عشر. غير أن هذا البناء تعرّض للتدمير خلال الاحتلال البرتغالي عام 1507م، قبل أن يُعاد تشييده بعد طردهم عام 1650م على يد الإمام سلطان بن سيف اليعربي، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة في تاريخ المسجد ارتبطت بالتحرر واستعادة السيادة.
ومع تعاقب العهود، شهد المسجد عمليات ترميم وإعادة إعمار متعددة، خاصة في العصر البوسعيدي، حيث حظي باهتمام السلاطين، الذين عملوا على صيانته وتخصيص أوقاف له، في دلالة على مكانته الدينية والاجتماعية. واستمر هذا الاهتمام حتى العصر الحديث، إذ أُعيد بناؤه في شكله الحالي عام 1980م في عهد السلطان الراحل قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – ليظهر بحلّة معمارية تجمع بين الأصالة والتحديث.
ولم يقتصر دور مسجد الخور على أداء الشعائر الدينية، بل لعب دورًا محوريًا في الحياة العلمية، إذ احتضن في أواخر القرن التاسع عشر أول تجربة للتعليم النظامي في مسقط، خلال الفترة ما بين 1871 و1888م. وقد أسهمت هذه التجربة في تخريج عدد من العلماء والقضاة والإداريين، ما يعكس دور المسجد كمركز إشعاع معرفي أسهم في بناء النخبة العُمانية في تلك المرحلة.
أما من الناحية المعمارية، فيتميّز المسجد بطابع فريد يختلف عن كثير من المساجد التقليدية في سلطنة عُمان، حيث تتداخل عناصر التصميم الحديث مع الزخارف الإسلامية. وتبرز في بنائه الواجهات الزجاجية الملوّنة التي تمنح الداخل أجواء ضوئية مميزة، إلى جانب سقف مزخرف بأسماء الله الحسنى، في حين يلفت غياب القبة التقليدية الانتباه، في إشارة إلى توجه تصميمي خاص يوازن بين البساطة والرمزية الجمالية.
ويُنظر إلى مسجد الخور أيضًا بوصفه أحد المساجد المرتبطة بالأسرة الحاكمة، إذ شكّل عبر تاريخه موقعًا لأداء الصلوات في المناسبات الرسمية، ما عزّز مكانته ضمن الفضاء السياسي والديني للدولة. ويأتي اختيار جلالة السلطان المعظم لأداء صلاة العيد فيه امتدادًا لهذا البعد، وتجسيدًا لارتباط القيادة بتاريخ المكان ورمزيته.
اليوم، يقف مسجد الخور كأحد الشواهد الحيّة على تاريخ مسقط وعُمان، جامعًا في فضائه بين الذاكرة والعبادة، وبين الماضي والحاضر. فهو مسجدٌ يحكي قصة مقاومة، ويروي سيرة علم، ويجسد حضور الدولة، ليبقى علامة فارقة في المشهد العُماني، ومعلماً يختصر في تفاصيله مسيرة وطنٍ امتدت عبر القرون.



























