الصحوة – علي الحداد
ليست كل النصوص السياسية تُقرأ بوصفها مواقف، فبعضها يُقرأ بوصفه إضاءة تكشف ما يستتر في عمق القرار قبل أن يظهر في نتائجه. وما كتبه معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، في مجلة الإيكونوميست البريطانية، لا ينتمي إلى فئة التعليق العابر، بل إلى ذلك النوع من الكتابة التي لا تكتفي بتوصيف ما يحدث، بل تعيد مساءلة الكيفية التي يحدث بها أصلًا.
فالمقال، في جوهره، لا ينشغل بالحرب كواقعة، وإنما بالحرب كقرار، لا بوصفها اشتباكًا عسكريًا، إنما باعتبارها نتيجةً لطريقة تفكير. ومن هذه الزاوية تحديدًا، يكتسب المقال ثقله، لأنه لا يتوقف عند ما وقع، بل ينفذ إلى ما سبق وقوعه.
ينطلق المقال من لحظة تختصر المفارقة كلها .. مسار تفاوضي يتقدم، واتفاق يقترب، وملف هو الأكثر تعقيدًا بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية يقترب من نقطة توازن نادرة. مرتان خلال تسعة أشهر بدا أن هذا المسار بلغ درجة من النضج تسمح بترجمته إلى اتفاق فعلي. لم يكن ذلك احتمالًا نظريًا، بل نتيجة تراكم تفاوضي حقيقي. ثم، وفي توقيت بالغ الحساسية، وبعد ساعات فقط من جولة وُصفت بأنها الأهم، جاءت الضربة العسكرية في 28 فبراير لتقوض المسار بالكامل.
وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بسبب التصعيد، بل بطبيعته .. كيف يمكن لقرار واحد أن يفصل بين مرحلتين بهذا القدر من التباين؟ كيف ينتقل الفعل السياسي من التراكم إلى القطيعة، ومن البناء إلى الهدم، دون أن يتغير تعريف المصلحة نفسها؟ هذه القفزة لا تعكس اختلافًا في التقدير فحسب، وإنما تكشف أن القرار لم يعد محكومًا بمنطق مستقر، بل بإيقاع متقلب لا يراكم بقدر ما يبدد، وبخلل استراتيجي تراكمي.
وفي توصيف هذه الضربة الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يضعها المقال في إطار الفعل غير القانوني، وهو توصيف لا يقف عند حدود الإدانة، بل يفتح سؤالًا أوسع .. ماذا يعني أن تتجاوز القوة الإطار الذي تستند إليه لتبرير أفعالها؟ هنا لا يكون الخلل في الفعل وحده، بل في المرجعية التي تضبطه.
وفي المقابل، لا يذهب المقال إلى تبرير الرد الإيراني على دول الجوار، بل يصفه بوضوح بأنه مؤسف وغير مقبول، لكنه لا يفصله عن سياقه، بل يعيده إلى تسلسل الأحداث. وهذا التوازن ليس حيادًا بقدر ما هو انضباط في القراءة، إذ لا تُفهم الأفعال بمعزل عن شروطها، ولا تُبرر بحكم وقوعها.
لكن التحول الأهم في المقال يبدأ حين يغادر ساحة الفعل المباشر إلى فضاء أثره الممتد. فدول الخليج، التي لم تكن طرفًا في اتخاذ القرار، تجد نفسها في قلب نتائجه. وهنا تتبدل زاوية النظر .. من مركز الصراع إلى محيطه، ومن الفعل إلى تداعياته.
فالاعتماد على الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة الأمريكية، الذي كان يُنظر إليه طويلًا كعامل استقرار، يدخل الآن في دائرة المراجعة، ليس لأنه انهار، بل لأنه لم يعد يُنتج النتيجة ذاتها في كل ظرف. وهذه النقطة تحديدًا تعكس تحولًا عميقًا، حين لا تعود أدوات الاستقرار مضمونة النتائج، تصبح هي نفسها جزءًا من معادلة القلق.
وهذا التحول لا يقف عند الأمن، بل يمتد إلى الاقتصاد. فالنموذج الذي تبنته دول الخليج، القائم على الانفتاح، وجذب الاستثمارات، وبناء قطاعات عابرة للحدود في السياحة والطيران والتقنية والرياضة والبيانات، لا يستند فقط إلى البنية، بل إلى التوقع، أي إلى ثقة طويلة المدى في استقرار البيئة التي يعمل ضمنها.
وعندما تهتز هذه الثقة، لا يظهر الأثر فورًا في الأرقام، إنما يتسلل إلى أساس النموذج نفسه. فاضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وما تبعه من ارتفاع في أسعار الطاقة، وعودة الحديث عن ركود اقتصادي، لا يُقرأ كأثر عابر، وإنما كمؤشر على أن الحسابات التي سبقت هذا المسار لم تكن مكتملة، إذ لم يُحسب أثر الترابط العالمي للاقتصاد كما ينبغي.
ثم تأتي الجملة الأكثر كثافة .. هذه ليست حرب أمريكا. ليست عبارة توصيفية، بل مفتاح قراءة، لأنها تنقل النقاش من سرد الوقائع إلى مساءلة منطقها. فإذا لم تكن الحرب تعبر عن مصلحة واضحة، فإن الاستمرار فيها لا يعكس قوة، بل عجزًا عن إعادة توجيه القرار.
ومن هذه الزاوية، يُعاد النظر في دور إسرائيل، التي تبدو أكثر اندفاعًا نحو هدف إسقاط النظام الإيراني. غير أن هذا الهدف، في غياب تصور واضح لما بعده، لا يتحول إلى مشروع، بل إلى فراغ مفتوح على احتمالات غير محسوبة.. تغيير بلا تصور، وهدف بلا نهاية محددة.
وفي المقابل، يبدو الخطاب الأمريكي أقل تماسكًا في هذا الاتجاه، أقرب إلى توصيف سياسي متغير منه إلى استراتيجية مستقرة، وهو ما يعكس تباينًا في تعريف الغاية بين الحليفين.
أما الرهان على ضعف إيران وسرعة انهيارها، فيظهر، مع تطور الأحداث، كافتراض لم يصمد أمام الواقع. فالمسار لا يتجه نحو حسم، بل نحو استنزاف، ولا يفتح باب نهاية، بل يوسع نطاق المجهول. وكلما طال هذا المسار، اقترب أكثر من استدعاء تدخل بري مباشر، بما يعيد إنتاج نماذج حروب لم تنهِها الولايات المتحدة الأمريكية بقدر ما انسحبت منها.
ومن هنا تتضح الصورة في أبسط صورها .. لم يكن الخلل في إدارة الحرب، بل في اختيارها.
لكن المقال لا يكتفي بهذا التفكيك، بل يذهب خطوة أبعد نحو سؤال الخروج. وهنا يعيد تعريف دور الحلفاء، ليس بوصفهم امتدادًا للقرار، بل كقادرين على مساءلته. فالصداقة، في هذا السياق، لا تُقاس بدرجة التماهي، وإنما بقدرة الحليف على قول ما لا يُقال في لحظة الاندفاع.
البداية، كما يطرحها المقال، ليست في الحلول الكبرى، بل في الاعتراف البسيط بأن هذه الحرب لا تخدم المصالح الأساسية لأي من طرفيها، وأن استمرارها لا ينتج توازنًا يمكن البناء عليه. ومن هذا الاعتراف تبدأ إعادة تعريف المصالح نفسها، خارج ضغط اللحظة.
وفي هذا السياق، تعود الأولويات إلى موقعها الطبيعي .. منع الانتشار النووي، ضمان أمن الطاقة، واستقرار بيئة الاستثمار. وهي أهداف لا تتوافق مع مسار تصعيد مفتوح، بل تحتاج إلى بيئة أكثر اتزانًا.
غير أن العودة إلى التفاوض ليست سهلة، خصوصًا بعد الانتقال المتكرر من الحوار إلى الفعل العسكري. ومع ذلك، لا يظهر بديل واقعي آخر. وهنا يبرز المقترح الأكثر عمقًا، توسيع إطار التفاوض ليصبح إقليميًا لا ثنائيًا فقط، بحيث يُعاد إدراج الملف النووي ضمن رؤية أوسع لمستقبل الطاقة في المنطقة.
بهذا الطرح، لا يعود الملف النووي مشكلة يجب احتواؤها، بل موضوعًا يمكن تنظيمه ضمن إطار مشترك، انتقال من إدارة الخطر إلى إدارة الإمكان.
وفي هذا المسار، يبرز دور سلطنة عُمان وشركائها من دول الخليج، لا كوسطاء فحسب، بل كأطراف تمتلك القدرة على فتح مسارات أولية تستند إلى الثقة، ويمكن أن تتطور تدريجيًا إلى تفاهمات أكثر رسوخًا.
ما يقدمه معالي السيد بدر في هذا المقال لا يقتصر على موقف، بل يقدم طريقة في التفكير، طريقة تعيد ترتيب العلاقة بين القوة والعقل، بين الفعل ونتيجته، بين القرار وكلفته.
حين تُتخذ القرارات قبل أن تكتمل رؤيتها، يصبح هذا الطرح تذكيرًا ضروريًا بأن القوة لا تُختبر في قدرتها على الذهاب إلى الحرب، إنما في قدرتها على تفاديها.




























