حصريٌّ لـ«الصحوة» – في الثاني من مايو من عام 2000، دخل حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – جامعة السلطان قابوس، لكنه لم يدخلها بصفة الزائر الرسمي الذي يكتفي بالتحية وتبادل المجاملات، بل دخلها بصفة القائد الذي أراد أن يتحدث مباشرة إلى العقول التي كان يعوّل عليها في صناعة الغد.
في ذلك اليوم، وأمام طلبة الجامعة وأكاديمييها، ألقى السلطان الراحل خطابًا امتد طويلًا في الزمن، لكنه امتد أكثر في المعنى؛ إذ لم يكن حديثًا عن جامعة ناشئة مضى على تأسيسها أربعة عشر عامًا -آنذاك- فحسب، وإنما كان حديثًا عن التعليم بوصفه مشروع دولة، وعن المعرفة بوصفها سلاحًا، وعن الاقتصاد بوصفه ضمان المستقبل، وعن التفكير الحر بوصفه شرط النهضة الحقيقي.
واليوم، بعد مرور 26 عامًا على تلك الزيارة، يبدو ذلك الخطاب وكأنه يُستعاد لا للتاريخ فقط، بل لقراءة كثير مما وصلت إليه عُمان اليوم.
◉ «سنعلّم أبناءنا ولو تحت ظلال الشجر».. من الشعار إلى الجامعة
استعاد السلطان قابوس -رحمه الله- في مستهل حديثه العبارة التي أصبحت واحدة من أشهر العبارات المؤسسة للنهضة العُمانية الحديثة: «سنعلّم أبناءنا ولو تحت ظلال الشجر»، لكنه لم يذكرها بوصفها ذكرى، بل بوصفها تأكيدًا على أن التعليم كان منذ اللحظة الأولى هو شغله الشاغل.
ولذلك جاء حديثه في الجامعة محمّلًا بفخر واضح بما تحقق؛ فهذه الجامعة التي بدأت فكرة وسط تردد البعض، أصبحت مصدر فخر ومفاخرة داخل عُمان وخارجها.
كان السلطان الراحل يريد أن يرسل رسالة واضحة للطلبة: أن ما يجلسون فيه من قاعات ومختبرات وكليات لم يكن مشروعًا عابرًا، بل ثمرة قرار استراتيجي اتُّخذ حين رأت القيادة أن بناء الإنسان يجب أن يسبق كل شيء.
◉ «الشهادة ورقة».. حين وضع السلطان قابوس معيار القيمة في المعرفة لا في اللقب
من أكثر المقاطع التي بقيت عالقة في ذلك الخطاب، حديثه الصريح عن أن الشهادة وحدها لا تكفي، حين قال بوضوح لافت: «الشهادة ورقة، لا تسمن ولا تغني من جوع».
لم يكن السلطان قابوس -طيب الله ثراه- هنا ينتقد التعليم، بل كان يضع الفاصل بين التعليم الحقيقي والتعليم الشكلي؛ بين من يحمل لقبًا، ومن يحمل قدرة.
ولهذا شدد في حديثه على أن الجامعة لا يجب أن تكون مكانًا لتكديس الشهادات، وإنما مصنعًا للمعرفة العميقة، وأن الطالب لا يُراد له أن يخرج متباهيًا بورقة، بل متسلحًا بعقل قادر على الفهم والإضافة والتصحيح.
وهنا تحديدًا تظهر إحدى أكثر الأفكار تقدمًا في الخطاب: أن المعرفة ليست محفوظات جامدة، وإنما أمر متجدد، وأن الأجيال الجديدة مطالبة بأن تضيف لما سبقها، لا أن تكتفي بترديده.
◉ «لا ترددوا ما يُكتب كالببغاء».. أعز الرجال وأنقاهم والانتصار للعقل الناقد
في واحدة من أكثر فقرات الخطاب جرأة وعمقًا، دعا السلطان قابوس -رحمه الله- الطلبة إلى عدم التسليم المطلق بما يُكتب أو يُقال، حتى في التاريخ والمعارف الموروثة، مؤكدًا أن كثيرًا مما كُتب قد يكون خاضعًا للتهويل أو التحريف أو الأهواء.
ولم يتوقف عند ذلك، بل أطلق تحذيرًا أشد وضوحًا حين قال: «ما كُتب ليس كله يجب علينا أن نردده كالببغاء».
كانت هذه العبارة، في جوهرها، دعوة صريحة إلى بناء العقل النقدي؛ عقل يسأل ويفكر ويتدبر ويعيد النظر، لا عقل يكتفي بالتلقي.
ولعل هذا ما جعل الخطاب يتجاوز الإطار الأكاديمي إلى الإطار الحضاري؛ لأن السلطان -طيب الله ثراه- كان يربط النهضة بحرية التفكير، ويرى أن «مصادرة الفكر والتدبر والاجتهاد من أكبر الكبائر»، في تأكيد نادر على أن المجتمع لا ينهض بالعقول المكررة، بل بالعقول التي تناقش وتبحث وتشكك وتنتج.
◉ البحث العلمي.. دعمٌ شخصي قبل أن يصبح سياسة دولة
وسط حديثه، أعلن السلطان قابوس -رحمه الله- قرارًا لافتًا آنذاك، حين أكد أنه قرر دعم برامج البحوث العلمية في الجامعة سنويًا من ماله الخاص، إضافة إلى ما هو مقرر في ميزانية الجامعة.
لم يكن الإعلان ماليًا بقدر ما كان رمزيًا؛ إذ كان يعني أن البحث العلمي لم يعد ترفًا جامعيًا، بل أولوية في نظر رأس الدولة نفسه.
وقد جاءت هذه الرسالة مبكرًا جدًا مقارنة بما أصبح لاحقًا نهجًا واضحًا في دعم الابتكار والبحث والمعرفة وربط الجامعات بخطط التنمية.
◉ البدائل الاقتصادية.. خطابٌ سبق سنوات التحول
اللافت أن السلطان قابوس -طيب الله ثراه- لم يحصر حديثه في التعليم فقط، بل انتقل إلى سؤال المستقبل الاقتصادي لعُمان، محذرًا بوضوح من الركون إلى النفط وحده، ومؤكدًا أن هذه الثروة إن لم تُستثمر لصناعة بدائل حقيقية فإن البلاد ستعود إلى النقطة التي بدأت منها بعد نضوبها.
كان حديثه عن الصناعات، والاستثمارات، والسياحة المدروسة، والثروة السمكية، والغاز، والزراعة، وتنويع الركائز الاقتصادية، حديث قائد ينظر إلى ما بعد المورد الواحد.
واليوم، حين تُقرأ تلك الفقرات في ظل الخطط الاقتصادية التي تنفذها سلطنة عُمان، يبدو الخطاب كأنه وضع مبكر لملامح النقاش الذي لا يزال قائمًا حتى الآن حول التنويع والاستدامة والاعتماد على البدائل.
◉ بين الجامعة والمجتمع.. لم يغفل السلطان الراحل الإنسان
حتى وهو يتحدث في قاعة أكاديمية، لم ينس السلطان قابوس -رحمه الله- أن يلتفت إلى تفاصيل المجتمع؛ فتحدث عن المغالاة في المهور، وعن الأعباء التي تثقل الشباب، وعن ضرورة الاعتماد على النفس، وعن أن الحياة لا تُبنى بالقفز بل بالصعود درجة درجة.
وهنا يظهر السلطان الراحل الذي لم يكن يرى الجامعة معزولة عن المجتمع، بل كان يرى الطالب مشروع مواطن كامل، يفكر في العلم كما يفكر في الاقتصاد وفي الأسرة وفي مسؤوليته تجاه ذاته ووطنه.
◉ زيارةٌ تحولت إلى ذاكرة وطنية
لم تكن زيارة الثاني من مايو إلى جامعة السلطان قابوس مجرد مناسبة بروتوكولية دوّنتها الصور والأرشيف، بل كانت واحدة من الزيارات التي تركت خلفها خطابًا يُستعاد كلما أريد التذكير كيف كانت القيادة العُمانية تنظر إلى الإنسان بوصفه الاستثمار الأول.
ففي تلك القاعة، قبل ستة وعشرين عامًا، لم يكن السلطان قابوس -طيب الله ثراه- يخاطب طلبة عام 2000 وحدهم؛ كان يخاطب أجيالًا كاملة ستأتي بعدهم، وما زالت كثير من كلماته حتى اليوم تبدو كأنها قيلت لهذا الزمن:
تعلموا علمًا حقيقيًا، فكروا، ناقشوا، لا تصادروا العقل، وابنوا لعُمان مستقبلًا لا يقف عند ما هو موجود بل يضيف إليه.
ولهذا، فإن ذكرى 2 مايو لا تستحضر زيارة سلطان إلى جامعة فحسب، بل تستحضر يومًا قال فيه «أعز الرجال وأنقاهم» للعقول الشابة: أنتم مشعل المعرفة في هذا المجتمع.




























