حصريٌّ لـ«الصحوة» – ثلاث سنوات فقط كانت كافية لكي تنتقل «مدينة السلطان هيثم» من فكرةٍ عُمرانية طموحة عُرضت على الشاشات والخرائط في مايو 2023، إلى مشروعٍ بدأت ملامحه الحقيقية تُرى على الأرض، لا بوصفه مجرد مخطط سكني جديد، بل باعتباره محاولة لإعادة تعريف شكل المدينة العُمانية الحديثة، وطريقة عيشها، وحركتها، وعلاقتها بالإنسان والاقتصاد والبيئة في آنٍ واحد.
واليوم، مع رعاية صاحب السمو السيد بلعرب بن هيثم آل سعيد وزير الدولة ومحافظ مسقط لحفل تدشين المخطط الهيكلي لمسقط الكبرى، وافتتاح مركز التجربة والمبيعات بمدينة السلطان هيثم، تبدو الصورة أوضح من أي وقتٍ مضى؛ فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بإطلاق مشروعٍ حضري ضخم، بل بالدخول الفعلي إلى مرحلة «اختبار المستقبل» الذي تريد سلطنة عُمان أن تبنيه لعاصمتها خلال العقود المقبلة.
ولعل اللافت في هذا التزامن أن افتتاح مركز التجربة والمبيعات لا يمكن النظر إليه كمبنى خدمي أو تسويقي عابر داخل المدينة؛ بل يمكن اعتباره — مجازًا وواقعيًا — أولى الثمرات التي تُقطف من مشروع المدينة منذ تدشينها الرسمي في 31 مايو 2023. فبعد ثلاث سنوات من التخطيط والتصميم وتوقيع الاتفاقيات وبدء البنية الأساسية، يظهر اليوم أول مرفق متكامل يحمل هوية المدينة الجديدة، ويمنح الناس فرصة ملموسة لرؤية المشروع عن قرب، وفهم فلسفته العمرانية، وطريقة تشكله، وما الذي يُراد له أن يكون.
وهنا تحديدًا تكمن رمزية الحدث؛ لأن المدن الكبرى لا تُبنى دفعةً واحدة، بل تبدأ غالبًا بفكرة، ثم بمخطط، ثم بتفاصيل صغيرة تتحول تدريجيًا إلى واقعٍ كامل. وفي حالة مدينة السلطان هيثم، يبدو أن مركز التجربة والمبيعات ليس مجرد «مقدمة» للمدينة، بل إعلانٌ بأن المشروع تجاوز مرحلة التصورات النظرية، وبدأ يدخل فعليًا إلى حياة الناس اليومية.
الأهم من ذلك أن هذا الافتتاح يأتي متزامنًا مع تدشين المخطط الهيكلي لمسقط الكبرى؛ ذلك المخطط الذي يمثل الرؤية الأشمل لمستقبل العاصمة حتى عام 2040، والذي يقوم على إعادة صياغة مسقط بوصفها مدينة أكثر استدامة، وأقل اعتمادًا على المركبات، وأكثر قدرة على خلق مجتمعات مترابطة اقتصاديًا واجتماعيًا وعمرانيًا.
ومن هنا، فإن مدينة السلطان هيثم لا تبدو مشروعًا منفصلًا عن هذا المخطط، بل أحد أهم تجلياته العملية على الأرض. فهي المدينة التي يُراد لها أن تختبر مفاهيم «المدينة الذكية» و«المجتمعات القابلة للمشي» و«التنمية متعددة الاستخدامات» و«الاقتصاد الحضري الحديث»؛ وهي أيضًا المشروع الذي تراهن عليه سلطنة عُمان لتقديم نموذجٍ مختلف للتوسع العمراني، بعد عقودٍ من الامتداد الأفقي التقليدي الذي فرض تحديات مرورية وخدمية وبيئية متزايدة.
وخلال السنوات الماضية، اعتادت المنطقة الخليجية على مشاريع المدن العملاقة، لكن التحدي الحقيقي في مثل هذه المشاريع لا يكمن في حجمها أو أرقامها، بل في قدرتها على التحول إلى مدن حقيقية نابضة بالحياة، وليست مجرد خرائط هندسية جميلة. وربما لهذا السبب تحديدًا يحمل افتتاح مركز التجربة والمبيعات دلالة أعمق؛ لأنه يمثل أول احتكاك مباشر بين المجتمع والمشروع، وأول نافذة يرى الناس من خلالها كيف يمكن أن تبدو المدينة التي يجري الحديث عنها منذ 2023.
كما أن اختيار هذا المركز ليكون موقع تدشين المخطط الهيكلي لمسقط الكبرى يحمل رسالة واضحة؛ مفادها أن المدينة لم تعد مشروعًا مستقلًا بحد ذاته، بل جزء من رؤية أوسع لإعادة تشكيل العاصمة العُمانية بأكملها، وربط التنمية الحضرية بالاقتصاد، والنقل، والاستدامة، وجودة الحياة.
وعندما أُعلنت مدينة السلطان هيثم قبل ثلاث سنوات، بدا المشروع بالنسبة للكثيرين أقرب إلى «رؤية مستقبلية بعيدة». أما اليوم، فإن افتتاح أولى مرافقها الرئيسية بالتزامن مع إطلاق المخطط الهيكلي لمسقط الكبرى، يكشف أن تلك الرؤية بدأت تتحول تدريجيًا إلى واقعٍ يُبنى أمام الناس، مرحلةً بعد أخرى، وثمرةً بعد أخرى.
وربما لهذا كله، لا يبدو حدث اليوم مجرد افتتاح مركز، ولا مجرد تدشين مخطط عمراني؛ بل لحظة مفصلية يمكن قراءتها باعتبارها بداية الدخول الفعلي إلى «مسقط الجديدة» التي تُرسم ملامحها الآن على الأرض، لا على الورق فقط.




























